الصفحة 29 من 112

ومن الجائز أن المستقبل يتكشف لعقل الإنسان من إيحاء العقل الأبدي المطلع عليه كما يتطلع علي ما حصل وما هو حاصل بلا اختلاف . وقد جاز أن ينتقل علم من عقل إنسان إلي عقل إنسان فينطبع فيه بالتوجيه وإيحاءكأنه منظور ومسموع . فلماذا لا يجوز أن تنتقل وقائع المستقبل إلي علم الإنسان من العقل الأبدي ؟ وهل نستطيع أن نقرر وجود العقل الأبدي دون أن نقرر أنه مطلع علي كل ما يقع في الأبد الأبيد ؟

فالذي يجزم باستحالة الاطلاع علي المستقبل عليه أولا أن يجزم بالصورة الصحيحة للزمن ويجزم بأنها لا توافق الاعتراف بوجود المستقبل علي وجه من الوجوه .

وعليه (ثانيا) أن يجزم باستحالة (العقل الأبدي) واستحالة الإيحاء منه إلي العقول الإنسانية .

وعليه أن يقوم الدليل علي هذا المستحيل أو ذاك المستحيل ، ولا دليل . وربما خطر لبعضهم -عند النظرة الأولي أن استطلاع الماضي Retrocognition ظاهرة لا تثير الاعتراض ممن يعترضون علي العلم بما سيكون . لأننا نعلم حوادث التاريخ كأنها من حوادث الوقت الحاضرالتي تنقل إلينا من مكان بعيد ، ولأن حوادث الماضي متفق علي وجودها في زمانها ، ولا اتفاق علي وجود ما سيكون قبل أن يكون .

ولكن الحقيقة أن استطلاع الماضي واستطلاع المستقبل علي حد سواء في طبيعة الملكة التي تقدر عليه . لأن القائلين بهذه الملكة لا يقصدون معرفة الماضي كما نعرف روايات التاريخ أو روايات الشهود . ولكنهم يقصدون أن صاحب هذه الملكة ينكشف له منظر مضي دون أن يبلغه من طريق القراءة والسماع . فيشهد مثلا مجلسا من المجالس المجهولة عنده وعند غيره ، ويبصر كل جالس في مكانه الذي كان فيه ، ويسمع ما قالوه ولو لم تدونه الكتب وتردده أقوال الرواة .

فالكشف عن الماضي محتاج إذن إلي التعليل الذي يحتاج إليه الكشف عن المستقبل ، لأنه دائما يتأتي بايحاء عقل إلي عقل ، أو بتقدير صوره للزمن لا ينفي فيها الماضي ولا المستقبل كل الانتفاء .

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت