الصفحة 31 من 112

علي أنها -سواء دخلت في مقررات العلم أو لم تدخل إلي حاسة في الإنسان غير العلم بالشئ الذي هو موضوع الإيمان ، لأن الإنسان لا يؤمن علي قدر علمه وإنما يؤمن علي قدر شعوره بما يعتقد ومجاوبته النفسية لموضوع الاعتقاد ، وطبيعة الاعتقاد في هذه الخصلة مقاربة لطبيعة اثنان أمام صورة واحدة يعلمان كل شيء عنها وعن صاحبها وعن أدواتها وألوانها وتاريخها لم يكن شرطا لزاما أن يتساويا في الإعجاب بها والشعور بمحاسنها كما يتساويان في العلم بكل مجهول عنها ، وصدق من قال أن القداسة مزيج من العجب والرهبة ، ولا يتوقف العجب من الأمر المقدس علي استكناه كل ما ينطوي عليه .

وستظل هذه الظواهر تفصيلا يجوز الشك فيه لقاعدة مقررة لا يجوز الشك فيها: ونعني بالقاعدة المقررة أن الموجودات أعلم من المحسوسات .

فهناك موجودات أكثر مما نحس بل هناك موجودات قابلة للإحاطة بها من طريق الإحساس أكثر مما نحسه الآن بالآلات ووسائل التقريب والتضخيم .

ولا تزال غرائزالحيوان تدلنا علي ضروب من الإحساس الخفي لا يعللها العلماء بأكثر من تسميتها باسم الغريزة ، كأنهم إذا لجأوا إلي كلمة مبهمة لا يفهمونها كانوا أجدر بكرامة العلم من الجاهل الذي يفسر الأمر كله بقدرة إله .

وفي الغريزة عبر كثيرة لا تنسي في صدد الكلام عن الحاسة الدينية وخطأ الإنسان في التعبير عنها وتمثيل موضوعاتها .

فقد يساء استخدام الغريزة ولا يقدح ذلك في نشأتها ولا في وجهتها ، كالطير الذي يهاجر للسلام أو للغذاء فيسقط في البحر من الإعياء لأنه يختار طريقا انقطع بطغيان البحر عليه منذ عصور . فباعث الغريزة موجود ومعقول ، وحب السلامة موجود ومعقول ، وخطأ المحاولة في استخدام الغريزة لا ينفي صدق هذا ولا صدق ذاك .

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت