الصفحة 32 من 112

والإنسان في غريزته النوعية يخدم نفسه ويضل عن الغاية من حيث يشعر أو لا يشعر بانخداعه وضلاله: يخدع نفسه حين يحسب أنه يمل للذاته أو يعمل للذته ، ويضل ضلالا بعيدا حين يقتل عشرين رجلا كبيرا ليكفل القوت أو السلامة لطفل واحد هو ابنه الذي لم يلده إل لبقاء النوع كله . يقتل عشرين رجلا مخلوقا ناميا من النوع لبقاء مخلوق منه غير موثوق بنمائه ، وهو يطاوع الغريزة النوعية بذلك ولا يناقضها في نهاية المطاف . لأن حب الأبناء لو توقف علي الحساب العددي والموازنة بين الكثرة والقلة لما حرص أناس علي الأبناء ولا ظفر النوع بالبقاء .

وأدخل من ذلك في ضلال الغريزية وثبوتها في وقت واحد أن الأب الذي يدس عليه طفل غير ابنه ولا يخالجه الشك فيه يحبه ويرعاه ويفتدي بقاءه ببقاء الكثيرين ، ولا يجوز من أجل ذلكأن يقال أن الغريزة النوعية (غير صحيحة) لأن الولد (غير صحيح) .

فالتعبيرات عن الحاسة الدينية تقبل الخطأ الكثير ، ولا يستفاد من ذلك أن الحاسة الدينية غير لازمة أو أنها مكذوبة النشأة في أساس التكوين .

وهذا الذي سميناه (بالوعي الكوني) هو الذي يحس بوطأة الكون فيترجمها علي قدر حظه من التصور والتصوير ، فيقع الخطأ الكثير في التعبير وفي محاولة التعبير ، ولا يمتنع من أجل ذلك أن نتلقي الكون بوعي لا شك في بواعثه وغاياته ، وإن أحاطت بتعبيراته شكوك وراء شكوك .

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت