الصفحة 33 من 112

وربما كان هذا (الوعي الكوني) فرضا صادقا أو راجحا ثم ينتهي به الأمر عند ذلك ، لو لم تكن ظاهرة التدين التي تترجم عنه ملازمة لبني آدم في جميع الأماكنومن أقدم الأزمان ، ولو لم ينبغ في الناس أفراد من ذويالعبقرية تملأهم روعة المجهول .. ولكن الأديات تعم البشر ولا تغنيهم عنها غريزة حب البقاء أو غريزة حب النوع أو حب المعرفة أو دواعي السياسة الاجتماعية . وقد وجدت أديان تبشر بالفناء ولا تبشر بالبقاء وتحرم علي كهانها النسل ولا تعدهم شيئا في السماء . فهي -أي الأديان- من وعي غير وعي التحفظ والسلامة وغير وعي السياسة ودواعي الاجتماع . وقام في العالم عباقرة دينيون لا يهدأون بما يجيش في نفوسهم من قوة الشعور بالمجهول . ولو كان هذا المجهول المغيب عن النس لا يستحق أن تجيش به نفس إنسانية لصرفنا سيرة هؤلاء العباقرة بكلمة واحدة: هي كلمة الجنون الذي وصفوا به كلما ظهروا بين قبيل من المعاندين ، ولكن (المجهول المغيب) أحق من جميع الموجودات بهذا الجيشان العظيم ، فالطبائع التي امتازت باستيعابه واتسعت لدوافعه لا تمتاز بخلل خلو من المعني ، بل تمتاز باستقامة في التكوين فيها كل معني كبير من معاني الشعور العميق .

وقد أحسن الإنسان قبل أن يفكر . فلا جرم ينقضي عليه ردح من الدهر في بداءة نشأته وهو يفكر حسيا أو يفكر (لمسيا) فلا يعرف معني الموجود إلا مرادفا لمعني المحسوس أو الملموس . فكل ما هو منظور أو ملموس أو مسموع فهو واقع لا شك فيه ، وكل ما خفي علي النظر أو دق عن السمع واللمس فهو والمعدوم سواء .

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت