فهرس الكتاب
وقد كان (للحاسة الدينية) فضل الإنقاذ الاول من هذه الجهالة الحيوانية . لأنها جعلت عالم الخفاء مستقر وجود ، ولم تتركه مستقر فناء في الأخلاد والأوهام . فتعلم الإنسان أن يؤمن بوجود شيء لا يراه ولا يلمسه بيديه . وكان هذا (فتحا علميا) علي نحو من الأنحاء ولم ينحصر أمره في عالم التدين والاعتقاد . لأنه وسع آفاق الوجود وفتح البصيرة للبحث عنه في عالم غير عالم المحسوسات والملموسات ، ولو ظل الإنسان ينكر كل شيء لا يحسه لما خسر بذلك الديانات وحدها ، بل خسر معها العلوم والمعارف وقيم الآداب والأخلاق .
ويجيء الماديون في الزمن الأخير فيحسبون أنهم جماعة تقدم وإصلاح للعقول وتقويم لمبادئ التفكير . والواقع أنهم في إنكارهم كل ما عدا المادة يرجعون القهقري إلي أعرق العصور في القدم ، ليقولوا للناس مرة أخري أن الموجود هو المحسوس وأن المعدوم في الأنظار والأسماع معدوم كذلك في ظاهر الوجود وخافيه ، وكل ما بينهم وبين همج البداءة من الفرق فيهذا الخطأ -أن حسبهم الحديث يلبس النظارة علي عينيه ويضع المسماع علي أذنيه !
ويحسبون علي هذا أنهم يلتزمون حدود العلم الأمين حين يلتزمون حدود النفي ويصرون عليه في مسألة المسائل الكبري ، وهي مسألة الوجود ، بل مسألة الآبادالتي لا ينقطعالكشف عن حقائقها في مئات السنين ولا ألوف السنين ولا ملايين السنين .
(لا) إلي آخر الزمان في هذه المسألة الكبري ... ونحن لا نستطيع أن نقول (لا) إلي آخر الزمان في مسألة من مسائل الحجارة أو المعادن أو الأعشاب أو مسائل البيطرة وعلاج الأجسام .