فهرس الكتاب
وليس النوع البشري علي أبواب محكمة يخاصم فيها من يثبتون أو ينكرون ويتحداهم وهو جالس في مكانه أن يثبتوا له ما ينفيه ولا يهتدي إليه بالعين والمجهار . ولكنه علي الأقل أمام (معمل للتجارب) يبدأ فيه البحث ويعيده ثم يبدأويعيد في كل عصر علي ضوء جديد ، وهو أمام الكون خاصة لم يكد يبدأ البحث في مسألة الآباد إلا منذ مئات معدودة من السنين . فيا له من علم بديع هذا العلم الذي يقطع بالنفي إلي آخر الزمان .. دون أن يتردد أو ينتظر مفاجآت الزمان .
والواقع أن العلم كله يقوم علي أساس الإيجاب والترقب ولا يقوم علي أساس النفي والإصرار . وما من حقيقة علمية إلا وهي تطوي في سجلها تاريخا طويلا من تواريخ الاحتمال والرجاء والأمل في الثبوت ، وإن تكررت دواعي الشك بل دواعي القنوط . فبحث الإنسان عن العقاقير وبحث عن المعادن وبحث عن الثمرات والغلات بروح ترتقب ويجابا وثبوتا ولا تنتقل من نفي إلي نفي ومن إصرار إلي إصرار ، وهذه روح العلم أمام الصغائر من شئون البيوت والأسواق ، فلماذا تكون روح العلم إصرار محضا وإنكارا متلاحقا علي غير أساس ويعقب ترقب أو انتظار في نفي كبري المسائل علي الإطلاق ؟
وأجدر الأزمنة أن تبدل فيه هذا الموقف هو الزمن الذي تكشف فيه الأجسام من عنصرها الأول ، فإذا هو إشعاع أو حركة في فضاء . فاقترب الوجود المادي نفسه من عالم المعقولات والمقدورات ، وتقرر لنا أن الحواس لا تستوعب معني الوجود في الصميم ، لأن زوال العدم هي الصفة الوحيدة اللازمة للوجود ، ولا يستلزم زوال العدم تجسما ولا تجرما ولا كثافة من هذه الكثافات التي تتمثل بها الأجسام للحواس بل يكفي فيه حركة مقدورة أو معني كأنه من طبيعة المعقولات . فما أضدق النطاق الذي بقي للحس الظاهر من أسرار الوجود . وما أحرانا أن نفسح للوعي الكوني وللبداهة مجالا يتسع مع الزمان ، ولا نحبسه في نطاق معين يضيق ثم يضيق حتي يسقط من الحسبان .