الصفحة 35 من 112

وليس النوع البشري علي أبواب محكمة يخاصم فيها من يثبتون أو ينكرون ويتحداهم وهو جالس في مكانه أن يثبتوا له ما ينفيه ولا يهتدي إليه بالعين والمجهار . ولكنه علي الأقل أمام (معمل للتجارب) يبدأ فيه البحث ويعيده ثم يبدأويعيد في كل عصر علي ضوء جديد ، وهو أمام الكون خاصة لم يكد يبدأ البحث في مسألة الآباد إلا منذ مئات معدودة من السنين . فيا له من علم بديع هذا العلم الذي يقطع بالنفي إلي آخر الزمان .. دون أن يتردد أو ينتظر مفاجآت الزمان .

والواقع أن العلم كله يقوم علي أساس الإيجاب والترقب ولا يقوم علي أساس النفي والإصرار . وما من حقيقة علمية إلا وهي تطوي في سجلها تاريخا طويلا من تواريخ الاحتمال والرجاء والأمل في الثبوت ، وإن تكررت دواعي الشك بل دواعي القنوط . فبحث الإنسان عن العقاقير وبحث عن المعادن وبحث عن الثمرات والغلات بروح ترتقب ويجابا وثبوتا ولا تنتقل من نفي إلي نفي ومن إصرار إلي إصرار ، وهذه روح العلم أمام الصغائر من شئون البيوت والأسواق ، فلماذا تكون روح العلم إصرار محضا وإنكارا متلاحقا علي غير أساس ويعقب ترقب أو انتظار في نفي كبري المسائل علي الإطلاق ؟

وأجدر الأزمنة أن تبدل فيه هذا الموقف هو الزمن الذي تكشف فيه الأجسام من عنصرها الأول ، فإذا هو إشعاع أو حركة في فضاء . فاقترب الوجود المادي نفسه من عالم المعقولات والمقدورات ، وتقرر لنا أن الحواس لا تستوعب معني الوجود في الصميم ، لأن زوال العدم هي الصفة الوحيدة اللازمة للوجود ، ولا يستلزم زوال العدم تجسما ولا تجرما ولا كثافة من هذه الكثافات التي تتمثل بها الأجسام للحواس بل يكفي فيه حركة مقدورة أو معني كأنه من طبيعة المعقولات . فما أضدق النطاق الذي بقي للحس الظاهر من أسرار الوجود . وما أحرانا أن نفسح للوعي الكوني وللبداهة مجالا يتسع مع الزمان ، ولا نحبسه في نطاق معين يضيق ثم يضيق حتي يسقط من الحسبان .

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت