فهرس الكتاب
والإنسان قد رأي نور الشموس والكواكب بعينه منذ مئات الألوف من السنين ، ولو يقبس نور الكهرباء من ينبوع الضياء الكوني إلا في القرنالأخير . فتدرج من قدح الحجر إلي حك الحطب إلي فتيلة الدهن إلي غاز الاستصباح إلي نور الكهرباء في هذا الأمد الطويل من الدهور وراء الدهور .
فوعيه الباطن لم يقصر عن وعي عينيه في هذا الشوط البعيد ، لأنه تنقل من عبادة الحصي والحشرات إلي عبادة الإله الواحد في بضعة آلاف من الدورات الشمسية ، وجاز لنا أن نقول أن ضميره كان أسرع من عينيه إلي اقتباس الضياء ، وكان أقدر من فكره علي مغالبة الظلام . ورأي ظلام ؟ إنه لم يكن ظلاما كظلام الليالي والكهوف يسلم مقاده لكل قادح زند أو نافخ عود ، ولكنه كان ضلااما تجوس فيه مردة الجهل وشياطين العادات وأبالسة المطامع والشهوات . فإن دل ذلك علي شيء فإنما يدل علي حاجة الضمير إلي ذلك النور الذي اهتدي به ، وهتدي إليه .
الله في دول الحضارة القديمة
مصر
علمنا أن تعميم العقائد المشتركة كان مرتهنابقيام الدول الواسعة التي تطوي فيها عقائد القبائل والشعوب وتتجاوز أطرافها حدود الأمة الواحدة ، ونسميها في عصرنا هذا بالإمبراطوريات . والدول التي كان لها القسط الأوفي من هذه المساهمة العامة هي مصر وبابل والهند والصين واليونان ، وتضاف إليها اليابان لولا أنها في عزلتها قد أخذت أكثر مما أعطت ، وقد تخلفت من جراء هذه العزلة عن بعض الأطوار التي سبقتها اليها الأمم المتصلة بالمعاملات والمبادلات ، فتلبثت ببقايا الوثنية إلي مطلع العصر الحديث .