الصفحة 40 من 112

ويري المؤرخ الكبير برستيد أن عقيدة فتاح هي أساس مذهب الخلق بالكلمة Logos عند الإغريق الأقدمين . فلا حاجة بالخالق إلي أداة للخلق غير أن يشاء ويأمر فإذا بما شاء موجود كما شاء . ومن المحتمل جدا أن كهان تلك العصور تدرجوا إلي فهم قوة الكلمة الإلهية من فهمهم لقوة الكلمة علي لسان الساحر وقوة الكلمة علي لسان المبتهل بالصلاة .

ونسج كهان عين شمس علي منوال كهان منف في تنزيه رع وتجريده من ملابسات الحس والتجسيد ، ولا سيما بعد تفرغهم للعبادة الروحية وانصرافهم إليها كما تعاظم سلطان الكهان في طيبة وتفاقمت سيطرتهم علي مناصب الدولة ، وهم كهان أمون .

وقد توطدت كهانة أمون كهانة أمون في أيام المملكة الوسطي وبلغت أوجها بعد عهد تحوتمس الثالث أكبر ملوك الأسرة الثانية عشرة ، ومرشح أمون - أو كهان أمون بعبارة أخري للسيادة المطلقة علي أرجاء البلاد .

واتسعت الدولة المصرية في عهد تحوتمس الثالث حتى تجاوزت حدودها بلاد النوبة والصومال في الجنوب ، وامتدت إلي الفرات وآسيا الصغري في الشرق والشمال ، وكان اتساع الأفق في السياسة مقترنا باتساع الأفق في تصور العالم وما ينبغي لخالقه من التعظيم والتنزيه ، فارتقي الفكر الإنساني في هذا العهد من البيئة المحلية إلي بيئة عالمية ، ثم إلي بيئة أبدية تنطوي فيها أبعاد المكان والزمان .

وطغي نفوذ الكهان الأمونيين علي كل نفوذ في البلاد من جراء هذه القربي بينهم وبين الملك العظيم . فاستأثر رئيسهم بلقب (الرئيس) في أنحاء الديار ، وضيقوا الخناق علي كهان رع وفتاح ، ولزموا حدودهم مع الملك العظيم في أثناء حياته لقوته ورهبته وعلو اسمه بالمظافر والفتوح ، وفرط ما أغدق عليهم من الهبات والحبوس والأوقاف ، ولكنهم ذهبوا في الطغيان كل مذهب علي عهد خلفائه ، فطمعوا في نفوذ الملك بعد اطمئنانهم إلي نفوذ الدين .

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت