فهرس الكتاب
ومن هنا خطر للملوك خاطر الخلاص من هذا النفوذ ، فتكلم أمنحتب الثالث عن أمون في بعض أوامره وتسجيلاته آخر وهو اسم آتون .
وساعد علي هذا التبديل الطفيف أن صفات الإله في أذهان المصريين كانت أقرب إلي صفاته عند كهان منف وعين شمس ، وأن مسالك الكهان الدنيويين من شيعة أمون لم تكن وفاق الآداب والعادات التي استلزمها ارتقاء المصريين في فهم كمال الإله .
فلما تولي الملك أمنحتب الرابع -أوأخناتون كما تسمي بعد ذلك- كان التمهيد للعبادة الجديدة قد بلغ مداه ، وكان اتساع الأفق في النظر إلي الدنيا والنظر إلي صفات خالقها قد وسع له المجال للابتكار والتجديد ، وأعان عبقرية علي التدعيم علي التدعيم بعد التمهيد .
وقد حفظت لنا النقوش والتماثيل والألواح وأوراق البردي كثيرا من أخبار أخناتونوأحواله وملامحه وسيرته في مملكته وفي مملكته وفي بيته ، وتكفي لمحات عابرة إلي شكل جمجمته وتركيب بنيته وأساليب تفكيره ومناحي عباداته للعالم بأنه كان عبقريا من أولئك العباقرة الملهمين ، الذين يحدثنا النفسانيون أنهم يتلقون العبقرية علي حساب أبدانهم وهناءتهم في حياتهم في حياتهم كما نقول في تعبير هذه الأيام .
وكان الفتي أخناتون حدثا نائيا عند ولاية الملك ، معروفا بالعكوف علي التأمل والتفكير والخلوة بنفسه في صلواته ومناجاته ، وكان لطيف الحس حالم النفس منصرفا عن البأس والقوة ومتابعة الفتوح والغزوات التي توطد بها ملك آبائه وأجداده فطمع فيه كهنة آمون ، وخيل إليهم أنهم مالكون زمام الأمر كله علي يديه .
غير أن الفتي الحالم كان عبقريا يحب الابتكار والتفقه في العبادة بالعقل والبداهة المستقلة ، ولم يكن تقليديا يلقي بزمامه لمن يسيطر عليه .
وكان مع لطف حسه قوي النف صعب المراس ، فاستنكر دسائس الأمونيين وتهافتهم علي المناصب والأموال .