الصفحة 49 من 112

وتعززت في الهند عبادة (الطوطم) بعقيدتهم في وحدة الوجود وتناسخ الأرواح كما تعززت بعقيدة الحلول .. فعبدوا الحيوان علي اعتباره جدا حقيقيا أو رمزيا للأسرة ثم للقبيلة .ثم تخلفت عبادة الحيوان حتى منوا بأن الله يتجلى في كل موجود أو يخص بعض الأحياء بالحلول فيه ، وآمنوا بتناسخ الأرواح فجاء عندهم أن يكون الحيوان جدا قديما أو صديقا عائدا إلي الحياة في محنة التفكير والتطهير. فعاشت عندهم الطوطمية في أرقي العصور كما عاشت في عصور الهمجية ، لهذا الامتزاج بين الاعتقاد الحديث والاعتقاد القديم . لكنهم خلصوا كما خلص غيرهم من هذه العبادات إلي الإيمان بالإله الواحد ، وإن اختلفوا في المنهج الذي سلكوه . فلم يكن إيمانهم به علي الأساس الذي قام عليه إيمان الشعوب الأخرى بالتوحيد .

فهم قد بدأوا بإبطال جميع المظاهر فنسبوا إليها التعدد والاختلاف لأنها تتكرر وتزول وتستر من ورائها الحقيقة الأبدية التي لا تتكرر ولا تزول ، وتلك هي حقيقة القضاء والقدر ، التي تقدر للآلهة وتقضي عليهم كما تقدر لسائر الموجودات وتقضي عليها في أجلها المحدود .. وهنا ذهب حكماؤها إلي مذهبين غير متفقين: فبعضهم تمثل تلك الحقيقة إلها واحدا قريبا من الإله الواحد في أكثر ديانات التوحيد . قال ماكس موللر الثقة الحجة في اللغات الآرية: (أيا كان العصر الذي تم فيه جمع الأناشيد المسطورة في الرجفيدا فقبل ذلك العصر كان بين الهنود مؤمنون بالله الأحد الذي لا هو بذكر ولا بأنثي ولا تحده أحوال التشخيص وقيود الطبيعة الإنسانية ، وارتفع شعراء الفيدا في الواقع إلي أوج في إدراكهم لكنه الربوبية لم يترق إليه مرة أخري غير أناس من فلاسفة الإسكندرية المسيحيين ، ولكنه فوق هذا لا يزال أرفع وأعلي مما يطيف بأذهان قوم يدعون أنفسهم بالمسيحيين) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت