فهرس الكتاب
والعرض هو كل ما يزول ويتغير ، وهو من شرد وفساد . وكل ما نحسة هو عرض تشمله لعنة الزوال . فما من شيء ثم (يكون) بل كل شيء يصير ولا يكف عن التغير . أو كما قال: (إن الناس يؤمنون بالثنائية ، فيؤمنون بأن الشيء إما كائن وإما غير كائن . ولكن الناظر إلي الأمور بعين الصدق يعلم أن الرأيين طرفان متطرفان ، وأن الحقيقة وسط بين الطرفين) .
وعلي هذا النحو ينكر البوذا وحدة (الشخصية الإنسانية) لأنها لا تتجاوز أن تكون تلاحقا مستمرا للأحاسيس يبدو لنا كأنه حزمه مضمونة في كيان واحد . ومفسروه في العصر الحديث يمثلون لذلك بشروط الصور المتحركة الذي يلوح لنا شيئا واحدا وهو خطفة بعد خطفة من الألوان والظلال .
وإذا كان الشقاء في التطرف بالحس إلي النقيضين ، فالخلاص من الشقاء لا يتأتي بغير الاعتدال بين كل طرفين ، وبهذا نميط عنا غشاوة الخداع الذي يتراءي علي ظاهر الأشياء للنفاذ إلي ما وراءها من سر الوجود .
فلا استغراق في إرضاء الحس ولا استغراق في قمعه وتجريده ، بل توسط بين الغايتين في أمور الحياة الثمانية ، وهي الفهم والعزم والكلام والسلوك والمعيشة والعمل والتأمل والفرح .
فالفهم طرفاه التصديق بكل ما يقال وإنكار كل ما يقال . والوسط بينهما التمييز بين الباقي والزائل والظاهر والباطن والثابت والذي ليس له ثبوت .
والعزم طرفاه التهافت والإهمال . والوسط بينهما إرادة الحكمة متي تبين السبيل إليها بالفهم الصحيح .
والكلام منه المهجور ومنه المطروق . والوسط بينهما قول الصدق وصون اللسان عن العيب والنميمة والمحال .
والسلوك طرفاه المحاباة مع الغرض والإجحاف مع الغرض والوسط قوام بين الغرضين لا ينقاد لهذا ولا لذاك .
والمعيشة الصالحة قوامها أن يتخير الإنسان رزقا حلالا يتورع فيه عن التكسب بما يضر الآخرين .