الصفحة 55 من 112

لكنها لا تحسب من الجرأة العقلية بوصف من الأوصاف ، فما هي إلا جرأة حسية في أقصي ما تطوحت إليه من الفروض والأظانين ، وما البوذية كلها إلا تململا من وطأة الحس والجسد ، ولا سعادتها القسوي إلا ضيقا بالحس وهربا منه إلي الفناء أو (اللاوعي) علي أحسن تقدير .

والمحسوس عندها شامل للمعقول ، والكائن بحق الحس عندها شامل للكائن بحق العقل وحق الوعي وحق الذات .

والآلهة عندما تأتي في المرتبة التالية بعد مرتبة الأكوان وما ارتفعت الأكوان عندها إلي هذة المرتبة إلا بأنها هي المحسوس ، وهي أول ما يفاجئنا قبل أن نفكر وقبل أن نتأمل وقبل أن ندين باعتقاد .

الصين

أما الصين فإنها -كالمنتظر من أمة في ضخامتها وكثرة شعوبها وترامي أطرافها- قد اختبرت جميع أنواع العبادات من أدناها إلي أرقاها .

ولكنها -علي كثرة العبادات التي دانت بها - لا تحسب من أمم الرسالات الدينية كمصر وبابل والهند وفارس وبلاد العرب وفلسطين . لأنها لم تخرج للعالم قيما دينية تلقاها منها ، وهي باصطلاح التجارة تحسب من الأمم المستنفذة في مسائل الديانات . لأنها أخذت من الخارج قديما وحديثا عقائد البوذية والمجوسية والإسلام والمسيحية ولم تعط أمة عقيدتها ، مع استثناء اليابان التي أخذت عنها نحلة كنفشيوس .

وأهل الصين لا يخوضون كثيرا في مباحث ما وراء الطبيعة ، ويوشك أن يكون التدين بينهم ضربا من أصول المعاملة وأدب البيت والحضارة .

فأشيع العبادات بينهم عبادة الأسلاف والأبطال ، وأرواح أسلافهم مقدمة بالرعاية علي جملة الأرواح التي يعبدونها ويمثلون بها عنصر الطبيعة أو مطالب المعيشة ، ولا يقدر الصيني قرباناهو أغلي قيمة وأحب إلي نفسه من قربانه إلي روح سلفه المعبود ، وهو يحتوي الأغذية والأشربة والأكسية والطيوب ، ومنهم من يحرق ورق النقد هبة للروح التي يعتقدون أنها تحتاج إلي كل شيء كانت تحتاج إليه وهي في عالم الأجساد .

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت