الصفحة 59 من 112

وشعائر الدين بين أهل الصين هي شعائر الطريق أو شعائر (السلوك) وفرائض التهذيب والتثقيف ، ومحورها الحلم والسلم والتحذير من العنف والغضب والإفراط والإسراف . وليس في تدين الصين مغالاه ولا حماسة ولا سورة من سورات الغيرة القوية والتعصب العنيف ، بل ليس شيء من ذلك في معرض من معارض الروح القومي التي تعبر عنها الثقافة أو الفن أو الحكمة أو قواعد الأخلاق . لأن الدعة سمة عامة لمزاج القوم أو (روح الأمة) . وهم متفائلون قلما يحنقون علي الحياة ولا علي الأحياء ، وغالب الرأي بين حكمائهم أن الإنسان طيب بالفطرة وأن الحياة ترضي من لا يسرف في تقاضيها ويلحف في الطلب عليها . ولا تأتي الحماسة الدينية إلا حين يمتحن الإنسان بالشدة البالغة والحيرة الثائرة فيندفع إلي غاية الإصرار ، وينقلب من ضميره إلي أعمق الأغوار . ولا شك أن شعور النفس (بالقدرة الإلهية) يتوقف علي هذه الحالات التي تتناهي إليها قدرة الإنسان . فلا جرم (يتوسط) أهل الصين في عقائدهم فيخلو إيمانهم بالإله من ذلك العمق الذي يغوص إليه الإنسان كلما جاشت نفسه بقوة الشعور .

ويظهر أن بيئة الصين لم تواجه أبناءها بالعقد النفسية ولكنها واجهتهم بتقلبات العناصر الطبيعية التي تعودت الشعوب قديما أن تروضها بالسحر والكهانة، فجار نصيب الإيمان بالسحر علي نصيب الإيمان بالدين ، وذاع عن أهل الصين -من ثم- أنهم أقدر أمة علي تسخير الطبيعة بالطلاسم والأرصاد .

وموقف اليابان من الرسالة الدينية كموقف الصين علي الإجمال . فقد تشابهت عقائدهم في أصولها وعبدوا الأرواح والأسلاف والعناصر الطبيعية ، واستعاروا البوذية والإسلام والمسيحية علي تفاوت في عدد الأتباع من كل دين ، ومزجوا ديانة الشمس بديانة الأسلاف . فلا مخافة بينهم في هذا بإفراط أهل اليابان في تأليه صاحب العرش واعتدال أهل الصين في تقديسه كاعتدالهم في جميع الشئون .

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت