الصفحة 97 من 112

والأثر الأكبر الذي يذكر لهذا الفيلسوف أنه كان أول من نقل الفلسفة من آسيا الصغري إلي أثينا أيام بركليس . وكانت أثينا قبل ذلكتتنكر للمباحث الفلسفية وتتهم من يبحثون فيها وينقطعونعن الشعائر الدينية ، ولم يسلم انكسغوراس من تعصب أهلها لأنهم سنوا قانونا يعاقب كل من يتعرض للأشياء (التي في العلى) ويهجر عبادة الأرباب الأولمبية وما جري مجراها ، واتهموه بالكفر لأنه كان يقول بأن الشمس صخر محمي وأن القمر كالأرض من تراب ، ولولا بركليس لما نجا من مصير كمصير سقراط بعده بقليل .

وقبل أن ننتقل إلي المدرسة الأثينية الكبري -وهي مدرسة سقراط وأفلاطون وأرسطو- نلم بمدارس ثلاث من مدارس الفلسفة التي كانت لها عناية خاصة ، أو كان لها شأن خاص -بمسائل العقيدة الدينية ، وهي مدرسة إيطاليا الجنوبية ومدرسة الراقيين ومدرسة أبيقور ، وبعض فلاسفة هذه المدارس لاحق للمدرسة الأثينية في الزمان .

ويرجع نشاط المدرسة الإيطالية أيضا إلي مدارس آسيا الصغري ، لأن فيثاغوراس وأكسينوفان هما صاحبا الفضل الأكبر في تنبيه الأذهان إلي مباحث الفلسفة في إيليا وصقلية بعد هجرتهما من وطنهما الأول . وقد نبغ هنالك كثير من أصحاب الآراء الفلسفية أجدرهم بالذكر في هذا المقام ثلاثة: هم بارمنيد وزينون وأمبدوقليس ، لأنهم يمثلون كل ناحية من نواحي التفكير في مدارس إيطاليا الجنوبية .

ولباب مذهب بارمنيد أنه لا وجود لغير الواحد ، وأن كل وجود غيره وكل ما نراه من التعدد والتغير إنما هو وهم الحس وخداع الظواهر ... فلا تغيير ولا أضداد كما يقول هيرقليطس . وإنما هي حالة واحدة نراها علي درجات ونحسبها لذلك من قبيل الأضداد . فالبرد قلة في درجة الحرارة والظلام قلة في درجة الإضائة والمرض قلة في درجة الصحة ، وقس علي ذلك جميع الأضداد من هذا القبيل .

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت