فهرس الكتاب
قال مدللا علي بطلان التغيير: (كيف يتأتي أن الشيء الذي هو كائن يفقد الكينونة ؟ وكيف يتأتي أن يكون بعد أن لم يكن ؟ فإذا حدث هذا الشيء فلا بد قبل حدوثه من زمن لم يكن فيه . وكذلك يقال إذا كان حدوثه سيبدأ في المستقبلوأين تبحث عن أصل الشيء الذي هو كائن ؟ وكيف ومتي يحدث نماؤه ؟ لا أري لك أن تقول أنه يأتي من لا شيء فإن اللاشيء لا يقبل التفكير . وما هي يا تريتلك الضرورة التي توجده في زمن من الأزمان دون سائر الأزمان ؟ كذلك يمنعك النظر الثاقب أن تصدق أن الشيء الذي هو كائن يموت إلي جانبه كائن آخر) .
يتبع
ومعني هذا أنه لا شيء يأتي من لا شيء . فالعالم قديم لم يحدث ، والواحد الذي يؤمن به بارمنيد ليس خالقا للكون بل هو حقيقة الكون . ويقول في وصفه أنه كرة محيطة لا تقبل التجزئة ، لأن كلها حاضر في كل جزء منها .
ويعتبر زينون الايلى ابرع المدافعين عن مذهب أستاذه بارمنيد ، فإنه أبدع تلك النقائض التي رد بها علي أنصار هيرقليطس وفيثاغورس حين أنكروا الوحدة وسخروا من مذهب بارمنيد بتلفيق الأحاجي والأماثيل . فأبدع لهم تلك النقائض البارعة التي يثبت بها الإحالة والخلف علي القائلين بالتغير والكثرة . ونجتزئ منها ببعض الأمثلة للدلالة علي طريقة هذه المدرسة في إثبات الوحدة الكونية ونفي التعديد والتغيير .
قال ما فحواه: إن الشيء الكثير إذا كانت كثرته بالامتداد فهو قابل للقسمة إلي شطرين ، وكل شطر منهما قابل للقسمة إلي شطرين . وهكذا إلي غير نهاية . وهو مستحيل لأن المحدود لا يقبل القسمة بغير حدود . أما إذا قلنا أن الجزء الذي تنتمي إليه لا يقبل القسمة فهو مستحيل أيضا . لأنه ذو امتداد وكل ذي امتداد ينقسم إلي نصفين .
ويقال في الكثرة بالعدد ما يقال في الكثرة بالامتداد ز فإن الأعداد منفصل بعضها عن بعض ، بين كل منفصلين مسافة تقبل القسمة ولا تزال تقبلها علي النحو الذي تقدم في كثرة الامتداد .