الصفحة 43 من 88

يضربون وجوههم وأدبارهم ذلك بأنهم اتبعوا ما أسخط الله وكرهوا رضوانه فأحبط أعمالهم) [1]

فقد حكم الله تعالى على من قال لأعداء الله تعالى من الكفار والمرتدين ـ الذين يكرهون ما أنزل الله تعالى ـ سنطيعكم في بعض الأمر ـ ولمّا يطيعونهم بعد ـ أنهم مرتدون وأن الشيطان سول لهم عملهم هذا وأملى لهم.

فإذا كان هذا حكم من وعد الكفار فقط بالطاعة ولمَّا يطيعونهم بعد، فكيف بمن أطاعهم فعلا في بعض الأمر؟ فكيف بمن أطاعهم فعلا في كل الأمر، بل نفذ مخططاتهم في حرب الإسلام والمسلمين ودخل في أحلافهم، بل وحارب أهل الإسلام إرضاء لهم؟ لا شك أن من فعل هذا فهو كافر خارج عن ملة الإسلام وإن صلى وصام وزعم أنه مسلم، بل هو من أشد الناس عداوة للإسلام وأهله، ودليل كفره من الآية قوله تعالى (ذلك بأنهم اتبعوا ما أسخط الله وكرهوا رضوانه فأحبط أعمالهم)

ومن المعلوم إن إحباط العمل جملة لا يكون إلا بالكفر الأكبر، ولذلك قال ابن تيمية رحمه الله: العمل يحبط بالكفر، قال سبحانه وتعالى (من يرتدد منكم عن دينه فيمت وهو كافر فأولئك حبطت أعمالهم في الدنيا والآخرة) [2] ، وقال تعالى (ومن يكفر بالإيمان فقد حبط عمله) [3] ، وقال تعالى (ولو أشركوا لحبط عنهم ما كانوا يعملون) [4] ، وقال تعالى (لئن أشركت ليحبطن عملك) [5] ، وقال تعالى (ذلك بأنهم كرهوا ما أنزل الله فأحبط أعمالهم) [6] ...إلى أن قال رحمه الله:

ولا يحبط الأعمال غير الكفر، لأن من مات على الإيمان لابد أن يدخل الجنة ويخرج من النار وإن دخلها، ولو حبط عمله كله لم يدخل الجنة قط، ولأن الأعمال إنما يحبطها ما ينافيها، ولا ينافي الإيمان مطلقا إلا الكفر، وهذا معروف من أصول أهل السنة.

نعم قد يبطل بعض الأعمال بوجود ما يفسدها، كما في قوله تعالى (لا تبطلوا صدقاتكم بالمن والأذى) [7] ، ولهذا لم يحبط الله الأعمال في كتابه إلا بالكفر. اهـ [8]

قال الطبري رحمه الله: قوله (إن الذين ارتدوا على أدبارهم من بعد ما تبين لهم الهدى) يقول الله عز وجل: إن الذين رجعوا القهقرى على أعقابهم كفارا بالله من بعد ما تبين لهم الحق وقصد السبيل فعرفوا واضح الحجة ثم آثروا الضلال على الهدى عنادا لأمر الله تعالى ذكره من بعد العلم، وقوله (الشيطان سول لهم) يقول تعالى ذكره: الشيطان زين لهم ارتدادهم على أدبارهم من بعد ما تبين لهم، وقوله تعالى (ذلك بأنهم

(1) سورة محمد، الآية: 25 ـ 28.

(2) سورة البقرة، الآية: 217.

(3) سورة المائدة، الآية: 5.

(4) سورة الأنعام، الآية: 88.

(5) سورة الزمر، الآية: 65.

(6) سورة محمد، الآية: 9.

(7) سورة البقرة، الآية: 264.

(8) الصارم المسلول على شاتم الرسول لابن تيمية / 55ـ56.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت