الصفحة 44 من 88

قالوا للذين كرهوا ما نزل الله سنطيعكم في بعض الأمر والله يعلم إسرارهم) يقول تعالى ذكره: أملى الله لهؤلاء المنافقين وتركهم والشيطان سول لهم فلم يوفقهم للهدى من أجل أنهم قالوا للذين كرهوا ما نزل الله (سنطيعكم في بعض الأمر) الذي هو خلاف لأمر الله تبارك وتعالى وأمر رسوله، والله يعلم إسرار هذين الحزبين المتظاهرين من أهل النفاق على خلاف أمر الله وأمر رسوله إذ يتسارون فيما بينهم بالكفر بالله ومعصية الرسول ولا يخفى عليه ذلك ولا غيره من الأمور كلها، وقوله تعالى (فكيف إذا توفتهم الملائكة يضربون وجوههم وأدبارهم ذلك بأنهم اتبعوا ما أسخط الله وكرهوا رضوانه فأحبط أعمالهم) ، يقول تعالى ذكره: والله يعلم إسرار هؤلاء المنافقين فكيف لا يعلم حالهم إذا توفتهم الملائكة وهم يضربون وجوههم وأدبارهم، يقول: فحالهم أيضا لا يخفى عليه في ذلك الوقت ويعني بالأدبار الأعجاز، وقوله (فأحبط أعمالهم) يقول فأبطل الله ثواب أعمالهم وأذهبه لأنها عملت في غير رضاه ولا محبته فبطلت ولم تنفع عاملها.اهـ [1] ...

وقال ابن حزم رحمه الله: وقد قال عز وجل (إن الذين ارتدوا على أدبارهم من بعد ما تبين لهم ا لهدى الشيطان سول لهم وأملى لهم ذلك بأنهم قالوا للذين كرهوا ما أنزل الله سنطيعكم في بعض الأمر والله يعلم أسرارهم فكيف إذا توفتهم الملائكة يضربون وجوههم وأدبارهم ذلك بأنهم اتبعوا ما أسخط الله وكرهوا رضوانه فأحبط أعمالهم) فجعلهم تعالى مرتدين كفارا بعد علمهم الحق وبعد أن تبين لهم الهدى بقولهم للكفار ما قالوا فقط وأخبرنا تعالى أنه يعرف أسرارهم وأخبرنا تعالى أنه قد أحبط أعمالهم بإتباعهم ما أسخطه وكراهيتهم رضوانه.اهـ [2]

وقال الشيخ سليمان بن عبد الله آل الشيخ رحمه الله: فأخبر تعالى أن سبب ما جرى عليهم من الردة وتسويل الشيطان وإملائه لهم، هو قولهم للذين كرهوا ما نزل الله سنطيعكم في بعض الأمر.

فإذا كان من وعد المشركين الكارهين لما أنزل الله بطاعتهم في بعض الأمر كافرا وإن لم يفعل ما وعدهم به، فكيف بمن وافق المشركين الكارهين لما أنزل الله من الأمر بعبادته وحده لا شريك له وترك عبادة ما سواه من الأنداد والطواغيت والأموات، وأظهر أنهم على هدى، وأن أهل التوحيد مخطئون في قتالهم، وأن الصواب في مسالمتهم والدخول في دينهم الباطل؟ فهؤلاء أولى بالردة من أولئك الذين وعدوا المشركين بطاعتهم في بعض الأمر. اهـ [3] ...

وقال الشنقيطي رحمه الله: والآية الكريمة تدل على أن كل من أطاع من كره ما نزل الله في معاونته له على كراهته ومؤازرته له على ذلك الباطل، أنه كافر بالله، بدليل قوله تعالى فيمن كان كذلك (فكيف إذا توفتهم الملائكة يضربون وجوههم وأدبارهم ذلك بأنهم اتبعوا ما أسخط الله وكرهوا رضوانه فأحبط أعمالهم) ...إلى أن قال: فكل من قال لهؤلاء الكفار الكارهين لما نزله الله: سنطيعكم في بعض الأمر، فهو

(1) تفسير الطبري ج26/58: 60، راجع تفسير ابن كثير ج4/181.

(2) راجع الفصل في الملل ج3 /122، فتح القدير للشوكاني ج5/ 39. ...

(3) الرسالة الحادية عشرة من مجموعة التوحيد / 346: 347.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت