الصفحة 67 من 120

من الصعب على الباحث أن يحصر آثار تقديس القبور والأضرحة، ولكن هناك آثارًا يمكن إبرازها، لخطورتها، ولكونها تعتبر أمهات لانحرافات أخرى نتجت عن هذا الداء، ويقف على رأس هذه الآثار: أظلم الظلم: الشرك بالله - تعالى -، فالراصد لأحوال القبوريين يلحظ بوضوح انتشار الشرك بينهم بجميع أنواعه وصوره ودرجاته.. شرك في الربوبية، وشرك في الألوهية، وشرك في الأسماء والصفات.. شرك أكبر، وشرك أصغر... وما أدراك ما يحدثه الشرك من آثار نفسية واجتماعية على الفرد والمجتمع!

فمن شرك الربوبية ظهر واضحًا اعتقاد القبوريين في الأضرحة وأصحابها: أنهم يسمعون ويبصرون ويجيبون من يتوجه إليهم، وأنهم يعلمون الغيب الذي لا يعلمه إلا الله، وأن لهم قدرة في التصرف والتأثير في الكون بما ليس في طاقة البشر: كالخلق والإفناء، والإحياء والإماتة، وشفاء الأمراض، والنفع والضر، والعطاء والمنع، والإغناء والإفقار، وتحويل الأشياء عن حقيقتها...

كما زعم القبوريون أن في الأضرحة وأصحابها القدرة على الرفع والوضع في الدنيا والآخرة، وتفريج الكربات، وقضاء الحاجات، ومحو الذنوب وغفرانها...

وبناءً على هذا التصور المنحرف في الربوبية نشأ شرك الألوهية، حيث توجه القبوريون إلى الأضرحة وأصحابها بالعبادات والتقربات التي لا يصح صرفها إلا لله - عز وجل -، ففضلًا عن تبركهم بها على وجه غير مشروع وجعلهم إياها عيدًا ومنسكًا حتى إنهم ليحجون إليها... فإنهم عظموها كما لو كانوا يعظمون الله - سبحانه -، فاقسموا بها، واستشفوا، واستنصروا، ولاذوا.. وأيضا: فإنهم دعوها، واستغاثوا بها، وذبحوا لها، ونذروا، وطافوا حولها، وسيّبوا لها السوائب، وساقوا إليها الهدي...

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت