الصفحة 6 من 42

ومع ما تقدم من الإشارة إلى دلالة أحوال النبي - صلى الله عليه وسلم - ، وحال أتباعه ومناوئيه -وسيأتي زيادة بيان لذلك إن شاء الله- فإن مما يدل أيضًا على بطلان قول هؤلاء ما جاء من البشارات بالنبي - صلى الله عليه وسلم - في الكتب السابقة، فإن أثبتوا ما دلّت عليه تلك البشارات، فقد نقضوا أصلهم في أن الدلالة على النبوة محصورة في المعجزة، وإن أنكروها فقد عرضوا أنفسهم لتكذيب الأنبياء.

وقد فطن التفتازاني لما يلزم من التناقض في هذا، وهو مع قوله بحصر دلالة النبوة في المعجزة فقد اعترف بأن النبوة تثبت « بخبر من ثبتت عصمته عن الكذب، كنصوص التوراة والإنجيل في نبوة نبينا - عليه السلام - ، وكإخبار موسى - عليه السلام - بنبوة هارون، وكالب ويوشع عليهم السلام » (1) . لكنه عاد فأكّد حصر دلالة النبوة في المعجزة، وبين أن ذلك عنده « محمول على ما يصلح دليلًا على الإطلاق، وحجة على المنكرين بالنسبة إلى كل نبي، حتى الذي لا نبي قبله ولا كتاب » (2) .

والحقيقة أن ما ذكره من الاحتمال لا ينفي الاستدلال بالبشارات السابقة. وأنه يلزمه -مع التسليم بما ذكره من الاحتمال- أن يقول إن البشارات السابقة دليل على النبوة، لكن من لا نبي قبله بشر به لا يدخل في هذا العموم، فلا ينقض أصل الاستدلال بالبشارات السابقة على النبوة.

وأما القول الثاني للأشاعرة في مكانة دلالة المعجزة على النبوة: فذهب أصحابه إلى إثبات دلائل أخرى على النبوة غير دلالة المعجزة، وذكروا من ذلك دلالة أحوال النبي - صلى الله عليه وسلم -، ودلالة البشارات السابقة بالنبي - صلى الله عليه وسلم - .

(1) ... شرح المقاصد. للتفتازاني: (5/19) .

(2) ... المرجع السابق، ونفس الجزء والصفحة.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت