الصفحة 4 من 80

ففي"الجبيلة"كان الناس يقصدون قبر"زيد بن الخطاب"ويدعونه لتفريج الكرب وكشف النوب، فعكف الناس على عبادتها، وصارت لعبادة تلك المقابر أعظم المنزلة في صدور الناس رغبًا ورهبًا، وكان في أسفل الدرعية غار كبير يزعم الجهال أن الله تعالى شقه في جبل لإنقاذ امرأة من بعض الفسقة الذين أرادوها بسوء، فكان الجهلة يرسلون إلى الغار وهو أحجار اللحم والخبز وصنوف الهدايا.

وفي شعيب"غبيرة"كان الناس يأتون من المنكر ما لا يعهد مثله عند قبور الصالحين وخاصة عند القبر الذي يزعمون أن فيه"ضرار بن الأزور"، وكانت طوائف من الخلق تأتي إلى شجرة"الطرفية"فيتبركون بها ويعلقون الخرق عليها إذا رزقوا ولدًا لعله يسلم من الموت!

هذا في بلاد نجد، أما في بلاد الحجاز، فلم يكن الأمر بأقل سوءًا من هذا؛ ففي مكة كانت تعلو الاستغاثات والأدعية عند قبر"أبي طالب"وقبر"المحجوب"، وكان تعظيم هذين القبرين يفوق تعظيم الكعبة عند كثير من الجهال؛ حتى إن السارق أو المعتدي أو الغاصب إذا لجأ إلى أحد هذين القبرين لم يتعرض له أحد بما يكره، أما إن تعلق بالكعبة فإنه يسحب فيها بالأذيال؛ تفريطًا منهم بحقها.

وكذلك كانت ترتكب الشنائع الاعتقادية والأخلاقية عند قبر ميمونة بنت الحارث أم المؤمنين رضي الله عنها في"سَرِف"، وكذلك عند قبر أم المؤمنين خديجة رضي الله عنها في"المعلاّة".

... وفي الطائف كان قبر عبد الله بن عباس رضي الله عنهما يُتخذ مزارًا يقف أمامه المكروبون مستغيثين، والخائفون متضرعين، وأصحاب الحاجة والمسألة داعين مسترزقين.

أما في المدينة النبوية على ساكنها أفضل الصلاة والسلام فقد خالف الناس سنته، واتخذوا قبره عيدًا، وهو الذي برئ من ذلك وقال (( اللهم لا تجعل قبري وثنًا يعبد ) ) (1) .

(1) واه الإمام مالك في"الموطأ" (ص85) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت