فهرس الكتاب
كتب الحسن البصري إلى عمر بن عبدالعزيز: الدنيا دار ظعن ليست بدار إقامة وإنما نزل آدم من الجنة إليها عقوبة، فاحذرها يا أمير المؤمنين، فإن الزاد منها تركها، والغني منها فقرها، لها في كل حين قتيل، تذل من أعزها، وتفقر من جمعها، فهي كالسُم يأكله من لا يعرفه وفيه حتفه، فكن كالمداوي جراحه يحتمى قليلًا من مخافة مايكره طويلًا، فاحذر هذه الدار الغدارة الخداعة، التي تزينت بخداعها، وفتنت بغرورها، وأوحلت بآمالها، فأصبحت كالعروس المجلية العيون إليها ناظرة، والقلوب عليها والهة، والنفوس لها عاشقة، وهى لأزواجها قالية، فلا الباقي بالماضي معتبر، ولا الأول بإلآخر مزدجر، ولا يرجع منها ماولىً وأدبر، ولا يدري ما هو آت فينتظر، أمانيها كاذبة، وآمالها باطلة، وصفوها كدر، وعيشها نكد، وابن آدم منها على خطر.
ألا أيها الفاني وقد حان حينه ... أتطمع أن تبقى فلست هناكا
قال لقمان الحكيم لابنه: (يابني الدنيا بحر عميق وقد غرق فيه ناس كثيرون فلتكن سفينتك فيها تقوى الله عز وجل، وحشوها الإيمان بالله تعالى، وشراعها التوكل على الله عز وجل لعلك تنجو وماأراك ناجيًا) .
فيا أخي المسلم: إنك لن تصبح في شيء من الدنيا إلاّ وقد كان له أهل قبلك، وسيكون له أهل بعدك، وليس لك من الدنيا إلاّ عشاء ليلة، وغذاء يوم، فلا تهلك في أكله وصم عن الدنيا وافطر على الآخرة، فإن رأس مال الدنيا الهوى، وربحها النار.
نرقع دنيانا بتمزيق ديننا ... فلا ديننا يبقى ولا ما نرقّع
فطوبى لعبد آثر الله ربه ... وجاد بدنياه لِمَا يتوقع