فهرس الكتاب
أيامن يدعى الفهم، إلى كم ياأخي الوهم، تعبي الذنب والذنب، وتخطي الخطأ الجمّ، أما بان لك العيب، أما أنذرك الشيب، وما في نصحه ريب، أما نادى بك الموت، أما أسمعك الصوت، أما تخشى من الفوت، فتحتاط وتهتم، فكم تسير في السهو، وتختال من الزهو، وتنفضّ إلى اللهو، كأن الموت ما عمّ، كأني بك تنحطّ إلى القبر وتنغط، وقد أسلمك الرهط، إلى أضيق من ثم، هناك الجسم ممدود ليستأكله الدود، إلى أن ينخر العود، ويمسي العظم قد رمّ، فزوّد نفسك الخير، ودع ما يعقب الضير، وهيّء مركب السير، وخف من لجّة اليم، لذا أوصيك يا صاح، فقد بحت كمن باح، فطوبى لفتى راح، بآداب محمد - صلى الله عليه وسلم - يأتم.
هل استعددت يابن آدم ليوم تصل فيه روحك إلى الحلقوم، قال تعالى {فَلَوْلا إِذَا بَلَغَتْ الْحُلْقُومَ وَأَنْتُمْ حِينَئِذٍ تَنظُرُونَ وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْكُمْ وَلَكِنْ لا تُبْصِرُونَ فَلَوْلا إِنْ كُنتُمْ غَيْرَ مَدِينِينَ تَرْجِعُونَهَا إِنْ كُنتُمْ صَادِقِينَ} الواقعة: 87:83
فماذا أنتم فاعلون إذا بلغت الروح الحلقوم، ووقفتم في مفرق الطريق إما إلى جنة أو إلى نار، في هذه اللحظة وقد فرغت الروح من أمر الدنيا، وتركت وراءها الأرض وما فيها، وهي تستقبل عالمًا لا عهد لها به، ولا تملك من أمره شيئًا إلا ما ادخرت من عمل، وما كسبت من خير أو شر.
هنا ترى ولا تملك أن تتحدث عما ترى، وقد انفصلت عما حولها وما حولها، هنا تقف قدرة البشر ويقف علم البشر، وينتهي مجال البشر، هنا يعرفون أنهم عاجزون قاصرون.