والناس يعصونه جهرًا فيسترهم والعبد ينسى وربي ليس ينساه ... إن الله تبارك وتعالى يدبر أمر الممالك، ويأمر وينهي، ويخلق ويرزق، ويميت ويحيى، ويقضي وينفذ، ويعز ويذل، ويقلّب الليل والنهار، ويداول الأيام بين الناس، والرسل من الملائكة عليهم الصلاة والسلام بين صاعد إليه بالأمر، ونازل به من عنده، وأوامره متعاقبة على تعاقب الآيات، نافذة بإرادته، فما شاء كان، في الوقت الذي يشاء، على الوجه الذي يشاء، من غير زيادة ولا نقصان، ولا تقدّم ولا تأخّر، وأمره وسلطانه نافذ في السموات وأقطارها، وفي الأرض وما عليها وما تحتها، وفي سائر أجزاء العالم وذراته، يقلبها ويصرفها ويحدث فيها ما يشاء، قد أحاط بكل شيء علمًا، وأحصى كل شيء عددًا، ووسع كل شيء رحمة وحكمة، ووسع سمعه الأصوات فلا تختلف عليه ولا تشتبه، بل يسمع ضجيجها باختلاف لغاتها وعلى كثرة حاجاتها، لا يشغله سمع عن سمع، ولا تغلطه كثرة المسائل، ولايتبرم بإلحاح ذوى الحاجات، وأحاط بصره بجميع المرئيات، فيرى دبيب النملة السوداء على الصخرة الصماء في الليلة الظلماء، فالغيب عنده شهادة، والسر عنده علانية، يعلم السر وأخفى من السر، فالسر ما انطوى عليه ضمير العبد وخطر بقلبه ولم تتحرك به شفتاه، وأخفى منه مالم يخطر بعد بقلبه، فيعلم أنه سيخطر بقلبه كذا وكذا في وقت كذا وكذا (يداول الأيام: يجعلها لهؤلاء مرة ولهؤلاء مرة، يتبرم: يسئم ويضجر)
له الخلق والأمر، له الملك والحمد، له الدنيا والآخرة، له النعمة والفضل، له الثناء الحسن، له الملك كله، وله الحمد كله، بيده الخير كله، وإليه يرجع الأمر كله، شملت قدرته كل شيء، ووسعت نعمته إلى كل حى، قال تعالى {يَسْأَلُهُ مَن فِي السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ كُلَّ يَوْمٍ هُوَ فِي شَانٍ} الرحمن: 29