الصفحة 83 من 120

فهم باطل، فانظر بارك الله فيك إلى عظمة هذه القاعدة الطيبة، جعلنا الله وإياك ممن استمسك بغرزها ومات على الإيمان بها، والله يتولانا وإياك.

الفرع العشرون:- انعقد إجماع سلف الأمة رحمهم الله تعالى على أن مرتكب الكبيرة في الدنيا لا يكفر الكفر المخرج عن الملة، ولا يكون معه كمال الإيمان، بل هو مؤمن وفاسق، فهو مؤمن بما بقي معه من الإيمان، وفاسق بما ارتكبه من الذنوب والعصيان، وأهل السنة نظروا في تقرير قولهم هذا إلى الأدلة كلها، إلى الأدلة الواردة في المسألة كلها، وأن كل ذنب عدا الشرك وصف عذابه بالخلود، فإنه في حق مرتكب الكبيرة لا يراد به الخلود الأبدي المطلق في النار، وإنما يراد به مطلق الخلود، لأن أهل السنة متفقون على أن مرتكب الكبيرة في الآخرة تحت المشيئة، فإن شاء الله تعالى غفر له كبيرته وأدخله الجنة ابتداء، وإن شاء عذبه في النار بقدر كبيرته، ثم يخرجه منها فيدخله الجنة انتقالا، فأهل السنة عندهم في مرتكب الكبيرة مذهبان:- أما في الدنيا، فهو مؤمن، ولكنه ناقص الإيمان، وهذا النقص يتفاوت بتفاوت عظم الجرم، وأما في الآخرة، فإنه إن مات مصرا على كبيرته، فإنه تحت المشيئة كما ذكرته لك، ولم يخالف في ذلك أحد من أهل السنة والجماعة ولا أحد من سلف الأمة وأئمتها، قال أبو العباس رحمه الله تعالى (وَمِنْ أُصُولِ أَهْلِ السُّنَّةِ: أَنَّ الدِّينَ وَالْإِيمَانَ قَوْلٌ وَعَمَلٌ قَوْلُ الْقَلْبِ وَاللِّسَانِ، وَعَمَلُ الْقَلْبِ وَاللِّسَانِ وَالْجَوَارِحِ وَأَنَّ الْإِيمَانَ يَزِيدُ بِالطَّاعَةِ وَيَنْقُصُ بِالْمَعْصِيَةِ , وَهُمْ مَعَ ذَلِكَ لَا يُكَفِّرُونَ أَهْلَ الْقِبْلَةِ بِمُطْلَقِ الْمَعَاصِي وَالْكَبَائِرِ كَمَا يَفْعَلُهُ الْخَوَارِجُ؛ بَلْ الْأُخُوَّةُ الْإِيمَانِيَّةُ ثَابِتَةٌ مَعَ الْمَعَاصِي كَمَا قَالَ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى فِي آيَةِ الْقِصَاصِ {فَمَنْ عُفِيَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَيْءٌ فَاتِّبَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ} وَقَالَ {وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا فَإِنْ بَغَتْ إحْدَاهُمَا عَلَى الْأُخْرَى فَقَاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي حَتَّى تَفِيءَ إلَى أَمْرِ اللَّهِ فَإِنْ فَاءَتْ فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا بِالْعَدْلِ وَأَقْسِطُوا إنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ , إنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إخْوَةٌ فَأَصْلِحُوا بَيْنَ أَخَوَيْكُمْ} وَلَا يَسْلُبُونَ الْفَاسِقَ الملي اسْمَ الْإِيمَانِ بِالْكُلِّيَّةِ وَلَا يُخَلِّدُونَهُ فِي النَّارِ كَمَا تَقُولُهُ الْمُعْتَزِلَةُ بَلْ الْفَاسِقُ يَدْخُلُ فِي اسْمِ الْإِيمَانِ فِي مِثْلِ قَوْله تَعَالَى {فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ} وَقَدْ لَا يَدْخُلُ فِي اسْمِ الْإِيمَانِ الْمُطْلَقِ كَمَا فِي قَوْله تَعَالَى {إنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إيمَانًا} وَقَوْلُهُ {لَا يَزْنِي الزَّانِي حِينَ يَزْنِي وَهُوَ مُؤْمِنٌ وَلَا يَسْرِقُ السَّارِقُ حِينَ يَسْرِقُ وَهُوَ مُؤْمِنٌ وَلَا يَشْرَبُ الْخَمْرَ حِينَ يَشْرَبُهَا وَهُوَ مُؤْمِنٌ وَلَا يَنْتَهِبُ نُهْبَةً ذَاتَ شَرَفٍ يَرْفَعُ النَّاسُ إلَيْهِ فِيهَا أَبْصَارَهُمْ حِينَ يَنْتَهِبُهَا وَهُوَ مُؤْمِنٌ} وَيَقُولُونَ: هُوَ

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت