الصفحة 85 من 120

النفس كبيرة من كبائر الآثام، ففاعله من أهل الكبائر، ما لم يعتقد أنه حلال وقد اتفق السلف على أن مرتكب الكبيرة في الآخرة تحت المشيئة، وهذا الوعيد الوارد في حقه حق على حقيقته، إلا أنه لابد أن يقرن بفهم السلف في هذا الباب، ولا يؤخذ بمعزل عنه، وهل كثر القول على الله تعالى بلا علم إلا لما فهم الكتاب والسنة على غير فهم سلف الأمة، وهل حصل ما حصل من الفتن والملاحم بين الخوارج والصحابة إلا بسبب هذه الأفهام المغلوطة التي عورض بها فهم سلف الأمة، فيعمد الوعيدية إلى آيات هي أصلا في حق الكفار، وينزلونها على المسلمين من أهل الكبائر، ثم يفعلون الأفاعيل التي لا تزال الأمة تعاني من ويلاتها، ومثل ذلك قوله صلى الله عليه وسلم {لا يزني الزاني وهو مؤمن ولا يسرق السارق وهو مؤمن ... الحديث} فالوعيدية فهموا من هذا النص وما ورد في شأن نفي الإيمان عن مرتكب بعض الأفعال، فهموا أنه نفي لمطلق الإيمان، أي أنه لا يبقى معه من الإيمان شيء، وهذا فهم باطل، لأنه مخالف لفهم السلف, والمتقرر أن كل فهم يخالف فهم سلف الأمة في مسائل العقيدة والعمل فهو باطل، لأن السلف بالاتفاق فهموا أحد أمرين: الأول:- أنه حال مقارفته لهذه الأفعال يخرج منه الإيمان فيكون فوق رأسه كالظلة، فإذا نزع عنها عاد إليه الإيمان، وهو تفسير مروي عن بعض الصحابة والتابعين، الثاني:- أنه لا يكون مؤمنا كامل الإيمان ولا يكون معه نور الإيمان، وكلا التفسيرين صحيح، ولكن بالاتفاق لا يراد من مثل هذه النصوص نفي أصل الإيمان بحيث يكون من ارتكبها كافرا الكفر الأكبر كما يفهمه الوعيدية، هذا غير مراد بلا شك، فالحق الحقيق بالقبول هو أن المنفي هنا هو كمال الإيمان الواجب لا أن المنفي أصل الإيمان، وبالجملة فالقاعدة عندنا:- أن كل نص من نصوص الوعيد ورد في شأن تخليد فاعل الكبيرة فإنه لا يراد به الخلود الأبدي المطلق كخلود الكفار وإنما يراد به الخلود بمعنى المكث الطويل، ويختلف هذا الخلود باختلاف عظم الجرم، وبه تعلم أن ما يفهمه الوعيدية من نصوص الوعيد أنه مخالف لما يفهمه أهل السنة منها، ففهم الوعيدية باطل وفهم السلف هو الحق، وماذا بعد الحق إلا الضلال، ومثل هذا الفهم الفاسد فهم الطائفة الأخرى والذين يسميهم أهل السنة بالمرجئة، فإن لهم فهما فاسدا في نصوص الوعد، وهذا الفهم الفاسد أدى بهم إلى لقول بأنه لا تضر مع الإيمان معصبة، غير الشرك، وأن إيمان أفسق الناس كإيمان أبي بكر وعمر، كما فهموا من قوله عليه الصلاة والسلام {من مات وهو يعلم أن لا إله إلا الله دخل الجنة} ومن قوله ما من عبد قال لا إله إلا الله ثم مات على ذلك

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت