الصفحة 88 من 120

هو ما نعنيه بقولنا (جنس العمل هو الركن في صحة الإيمان لا آحاد العمل) فإن قلت:- ولماذا قلت:- (إلا بدليل) ؟ فأقول:- نعم، ذلك لأنه إن دل الدليل الشرعي الصحيح الصريح على أن ترك عين هذا العمل ناقض من نواقض الإيمان فإننا نقول به، ونجعل تركه بعينه من نواقض الإيمان، ونجعله وخصوصا بهذا الحكم دون غيره من آحاد الأعمال، لأنه قد ورد الدليل بأن من تركه فقد كفر، فالأصل عند أهل السنة أن ترك آحاد الأعمال الواجبة لا يوجب كفرا، إلا ما دل الدليل على أن تركه يعتبر كفرا، وذلك كالصلاة مثلا - على قول - فإن الدليل قد دل على أن من تركها فقد كفر، كما في حديث جابر مرفوعا"بين الرجل وبين الكفر ترك الصلاة"وحديث بريدة مرفوعا"العهد الذي بيننا وبينهم الصلاة فمن تركها فقد كفر"وقال عبدالله بن شقيق العقيلي:- كان أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم لا يرون شيئا من الأعمال تركه كفر إلا الصلاة، رواه الترمذي، فمن ترك الصلاة فقد شهد الدليل الخاص بأنه يكفر, فالمهم أن أهل السنة يرون أن الركن في الإيمان هو جنس الأعمال لا آحادها، إلا بدليل شرعي صحيح صريح، وأما المعتزلة والخوارج فإنهم يرون أن هذا العمل الواجب بعينه ركن في صحة الإيمان فمثلا:- لو أن زيدا من الناس نطق بالشهادتين، وفعل كل ما أوجبه الله تعالى عليه، إلا أنه خالف في عمل واحد، ووقع في السرقة، فيكون بذلك قد خالف في واحد من آحاد الأعمال فحكمه عند الوعيدية كافر، أو في منزلة بين المنزلتين كما عند المعتزلة، وإن مات عليها فهو خالد مخلد في النار أبدا، لأن هذا الرجل خالف ركن الإيمان عندهم، فهم ينظرون إلى ركنية العمل باعتبار آحاده، والسلف رحمهم الله تعالى ينظرون إلى ركنية العمل باعتبار جنسه، وهذا واضح.

القاعدة الرابعة:- آحاد الأعمال الواجبة شرط في كمال الإيمان الواجب، وآحاد الأعمال المندوبة شرط في كماله المندوب، وذلك أن للإيمان أصل، وكمال واجب، وكمال مستحب، فالشرط في تحقيق أصله، وجود جنس العمل، كما ذكرته سابقا، وأما كماله الأول وهو كماله الواجب فإنه لا يتحقق إلا بالقيام بكل الواجبات الشرعية، والانتهاء عن كل المحرمات الشرعية، وعليه:- فمن وقع في ترك واجب أو فعل محظور فإن إيمانه الواجب يهتز، واهتزاز الإيمان الواجب لا يعني أنه خرج من الملة بالكلية كما يقوله الوعيدية، ولكنه على خطر عظيم، ويعتبر من أصحاب الكبائر وأما كمال الثاني، وهو الكمال المستحب، فإنه لا يتحقق إلا بفعل المندوبات وترك المكروهات وعلى هذا قوله

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت