فهرس الكتاب
ولشيخ الإسلام كلام جميل في معنى هذه الآية الكيمة حيث قال: (( أمره الله أن يجمع بني هاتين العبادتين العظيمتين ، وهما الصلاة والنسك الدالتان على القرب والتواضع والافتقار وحسن الظن ، وقوة اليقين ، وطمأنينة القلب إلى الله ، وإلى عدته وأمره وفضله ، عكس حال أهل الكبر والنفرة ، وأهل الغنى عن الله الذين لا حاجة في صلاتهم إلى ربهم ، والذين لا ينحرون له خوفًا من الفقر ، وتركًا لإعانة الفقراء وإعطائهم ، وسوء الظن منهم بربهم ، ولهذا جمع الله بينهما في قوله تعالى: (( قُلْ إِنَّ صَلاَتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ ) ) ( الأنعام: 162) , والنسك هي الذبيحة ابتغاء وجهه ، وهي أجل العبادات المالية ، وما يجتمع للعبد في نحره من إيثار الله وحسن الظن به وقوة اليقين ، والوثوق بما في يد الله أمر عجيب ، إذا قارن ذلك الإيمان والإخلاص .
وقد امتثل النبي صلى الله عليه وسلم أمر ربه ، فكان كثير الصلاة لربه ، كثير النحر ، حتى نحر بيده في حجة الوداع ثلاثًا وستين بدنة ، وكان ينحر في الأعياد وغيرها )) (1) .
فإذا تقر أن الذبح من العبادات التي يجب صرفها لله وحده ، فمن ذبح لغيره فقد أشرك ، ولذا يقول المؤلف - في إحدى رسائله -: (( فمن ذبح لغير الله من جني أو قبر فكما لو سجد له ) ) (2) .
وقل له أيضًا: المشركون الذين نزل فيهم القرآن ، هل كانوا يعبدون الملائكةَ والصالحين واللات وغير ذلك ؟ فلا بد أن يقول: نعم .
فقل له: وهل كانت عبادتهم إياهم إلا في الدعاء والذبحِ والالتجاء ونحو ذلك ، وإلا فهُمْ مقرون أنهم عبيده وتحت قهرِ الله ، وأن الله هو الذي يدبر الأمر ، ولكن دعوهم ، والتجئوا إليهم للجاه والشفاعة ، وهذا ظاهر جدًا .
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(1) - مجموع الفتاوى 16/531، 532 باختصار .
(2) الدرر السنية 2/54 .