فهرس الكتاب
الجواب الثاني: أن الناس لم يستغيثوا بهؤلاء الأنبياء عليهم السلام ليزيلوا عنهم كرب الموقف وشدته ، لكنهم يستشفعون بهم عند الله - عزّ وجلّ - ليزيل هذه الشدة ، فثمت فرق ظاهر بين من يستغيث بالمخلوق ليكشف عنه الضر والسوء ، وبين من يستشفع بالمخلوق إلى الله تعالى ليزل الله عنه ذلك )) (1) .
يقول الشيخ عبد اللطيف بن عبد الرحمن بن حسن: (( وأما حديث الشفاعة فهو فيما يقدر عليه البشر من الدعاء ) ) (2) .
فالناس يستغيثون بالأنبياء يوم القيامة ليشفعوا لهم إلى الله تعالى ، فهم يتوسلون إلى الله بشفاعتهم (3) ، كما هو ظاهر حديث الشفاعة ، فعن أنس بن مالك رضي الله عنه مرفوعًا: (( يجمع الله الناس يوم القيامة ، فيقولون: لو استشفعنا على ربنا حتى يريحنا من مكاننا ، فيأتون آدم عليه السلام ، فيقولون: أنت الذي خلقك الله بيده ، ونفخ فيك من روحه ، وأمر الملائكة فسجدوا لك ، فاشفع لنا عند ربنا ) ) (4) .
فالناس لم يقولوا - مثلًا - يا معشر الأنبياء ارفعوا عنا الكرب ، واكشفوا عنا الضر ، وإنما سألوا الأنبياء المستششفع بهم - وهو أحياء حاضرون قادرون - أن يسألوا الله تعالى لهم كشف الضر .
حيث قالوا: فاشفع لنا عند ربنا ، فمن سأل المستشفع به المتوسل به - وهي حي حاضر قادر - أن يسأل الله تعالى كما يطلب الناس من الأنبياء يوم القيامة أن يشفعوا لهم عند الله تعالى .. فهذا جائز ، ومن سأل المستغاث به تفريج كربة فهذه استغاثة به وليس توسلًا به ، فالمستغاث به مطلوب منه الفعل ، فإن لم يكن قادرًا على تفريج الكربة لم يجز أن يطلب منه ما لا يقدر عليه (5) .
(1) انظر: شرح كشف الشبهات لابن عثيمين ص 27 .
(2) منهاج التأسيس ص 342.
(3) انظر: تلخيص الاستغاثة لابن تيمية ص 3228 .
(4) أخرجه البخاري ، ك الرقاق ، ح (6565) ، ومسلم ، ك الإيمان ، ح (194) .
(5) انظر: الرد على البكر ص 35، 36، 122، 262، 328.