ثم إن المعتزلة جعلوا هذه أصل دينهم ، والتزموا لها لوازم ، وخالفوا بها نصوص الكتاب والسنة، بل وصريح العقل في مواضع كثيرة .
وحقيقة أمرهم أنهم لم يصدقوا الرسول إلا بتكذيب بعض ما جاء به ، وكأنهم قالوا: لا يمكن تصديقه في البعض إلا بتكذيبه في البعض ، لكنهم لا يقولون إنهم يكذبونه في شيء ، بل تارة يطعنون في النقل، وتارة يتأولون المنقول ، ولكن يعلم بطلان ما ذكروه إما ضرورة ، وإما نظرًا .
وذلك أنهم قالوا: إن السمع مبني على صدق الرسول ، وصدقه مبني على أن الله منزه عن فعل القبيح ، فإن تأييد الكذاب بالمعجزة قبيح ، والله منزه عنه .
وقالوا أيضًا: لا يجوز أن يشاء خلاف ما أمر به ، ولا أن يخلق أفعال عباده ، ولا يقدر أن يهدي ضالًا، ولا يضل مهتديًا ؛ لأنه لا كان قادرًا على ذلك ، وقد أمر به ولم يعن عليه ، لكان قبيحًا منه. (1) ""
وقال أيضًا:"فإن المعتزلة يزعمون أن النبوة لا تتم إلا بقولهم في التوحيد والعدل ، فيجعلون التكذيب بالقدر من أصولهم العقلية ، وكذا نفي الصفات. (2) "
40 -قوله:"وطائفة تزعم أن حدوث العالم من هذه الأصول ، وأن العلم بالصانع لا يمكن إلا بإثبات حدوثه ، وإثبات حدوثه لا يمكن إلا بحدوث الأجسام. (3) "
المقصود بالطائفة هاهنا المعتزلة المنكرون لصفات الله تعالى ، والأشاعرة المنكرون لأفعال الله تعالى ، وجاء ذلك مبيّنًا مبسوطًا في مواطن من كتب المؤلف. (4)
ومن ذلك قوله:"وأصل كلامهم أنهم قالوا لا يعرف صدق الرسول حتى يعرف إثبات الصانع، ولا يعرف إثبات الصانع حتى يعرف حدوث العالم ، ولا يعلم حدوث العالم إلا بما به يعلم حدوث الأجسام ."
(1) . شرح الأصبهانية 2/609 - 611 = باختصار
(2) . الدرء 2/16 ، وانظر: مجموع الفتاوى 2/22 .
(3) . التدمرية صـ 148 .
(4) . انظر: شرح الأصبهانية 2/ 631 ، الدرء 5/286 ، 7/71 ، ومنهاج السنة 2/268 ، 5/94 ، وشرح حديث النزول (مجموع الفتاوى ) 5/540 .