وقال - في موضع آخر -:-"إن كل خير ونعمة تنال العبد فإنما هي من الله ، وكل شر ومصيبة تندفع عنه، أو تكشف عنه ، فإنما يمنعها الله ، وإنما يكشفها الله ، وإذا جرى ما جرى من أسبابها على يد خلقه ، فالله سبحانه هو خالق الأسباب كلها .. فإنه لا حول ولا قوة إلا به ، وما شاء كان، وما لم يشأ لم يكن ، فالرجاء يجب أن يكون كله للرب ، والتوكل عليه ، والدعاء له .."
وهذا واجب لو كان شيء من الأسباب مستقلًا بالمطلوب ، فإنه لو قدر مستقلًا بالمطلوب - وإنما يكون بمشئة الله وتيسيره - لكان الواجب أن لا يرجى إلا الله ، ولا يتوكل إلا عليه ، ولا يسأل إلا هو ، فله الحمد ، وإليه المشتكى ، وهو المستعان ، وهو المستغاث .. فكيف وليس شيء من الأسباب مستقلًا بمطلوب ، بل لابد من انضمام أسباب أخر إليه ، ولابد أيضًا من صرف الموانع والمعارضات عنه ، حتى يحصل المطلوب ..
ومن عرف هذا حق المعرفة ، انفتح له باب توحيد الله ، وعلم أنه لا يستحق لأن يدعى غيره فضلًا أن يعبد غيره ، ولا يتوكل على غيره ، ولا يرجى غيره. (1) ""
26 -تحدّث المؤلف - في غير موضع - عن ضوابط الأسباب ، والأمور التي ينبغي مراعاتها تجاه الأسباب . (2)
ومن ذلك قوله:"ينبغي أن يعرف في الأسباب ثلاثة أمور:"
أحدها: أن السبب المعين لا يستقل بالمطلوب ، بل لابد معه من أسباب آخر ، ومع هذا فلها موانع.
الثاني: لا يجوز أن يعتقد أن الشيء سبب إلا بعلم (3) ، فمن أثبت سببًا بلا علم ، أو بخلاف الشرع ، كان مبطلًا ، كمن يظن أن النذر سبب في رفع البلاء ..
(1) . مجموع الفتاوى 8/166 - 168 = باختصار
(2) . انظر: الاستقامة 1/ 153 ، واقتضاء الصراط المستقيم 2/692 ، والردّ على البكري ت: السهلي صـ 206 ، 221، 274 .
(3) في الأصل: لا يعلم ، ولعل الصواب ما أثبته .