الثانية: الذكرى والعبرة للزائر التي تحصل عندما يشاهد كم دُفن في هذه المقبرة من أجمل الشباب، والمتكبرين وأهل العز الثراء والظَلَمة، وآخرين من العلماء والفلاسفة والسلاطين، ولكل واحد منهم كانت له أماني وآمال وقد ذهبوا بها في التراب، وقد صيّر التراب الغني والفقير والعالم والجاهل والملك والفقير كلهم في مكان واحد، فمن وقعت عينه على الأموات ومَنْ فكر في وضعهم الحالي أدرك أن الدنيا العجوز التي هو عروس لآلاف البشر لا تفي لأحد، ومن أدرك ذلك قلّ همه وغمه، وارتاح تفكيره، ونسي آماله ورُزِق السكينة وطابت نفسه من الدنيا وما لدى أهلها.
يقول السيد عبد الله: انظر إلى المقبرة ولا تكن من الغافلين مثل أهل الأهواء لترى بعض المقابر والمزارات فيها مئات الألوف من أصحاب النعمة والجاه كلهم اجتهدوا وسعوا وغدوا في نار الحرص والأهواء ولبسوا قلانس مرصعة بالجواهر وجلسوا على موائد النعم وشربوا بأواني الذهب والفضة، وجمعوا المال بشتّى الطرق، ولكنهم في النهاية ماتوا وذهبوا بالحسرات، ملئوا المخازن وغرسوا حُب الدنيا في قلوبهم, وفي النهاية ذهبوا وتركوا كل شيء ليدخلوا من باب الموت ويشربوا من كأسه على يد ساقي الأجل.
أيها العزيز فكّر في الموت وجدّّ بالعمل وإلا ويلك من جهنم، واعلم أن أصحاب التراب يطلبون دعاءك ويقولون بلسان الحال أيها الشباب الغافلون والشيوخ المفرطين إنكم مجانين لا تدركون أننا نائمون في التراب، قد غطت وجوهنا الأكفان، لم يمض زمن يسير إلا ونسينا الناس، كنا نسير على بساط الدنيا الغَرُور بكل سرور، ونِمْنا على أبهى السُرُر، وفي النهاية ذقنا تلك الشربة المرّة (شربة الموت) ، فلم نرَ وفاءً من الحياة الدنيا حتى أيقنا الحقيقة لما رأينا أنفسنا ملقون على التراب كأنما نثرتنا الرياح على تراب المحن، فلم يتنفعنا الأهل والعيال، ولا الثروة والمال، فنحن الآن موقنون بهذه الندامة، وليس أمامنا إلا يوم القيامة.