وهناك عبودية أخرى يوم القيامة، حيث يأمر الله تعالى الخلائق بالسجود فيسجد المؤمنون ولا يقدر الكفار أن يسجدوا (يوم يُكشف عن ساق ويدعون إلى السجود فلا يستطيعون * خاشعة أبصارهم ترهقهم ذلة وقد كانوا يدعون إلى السجود وهم سالمون) (68/42) ، لكن إذا دخل العباد دار الثواب والكفار دار العقاب ينقطع التكليف, وتكون عبودية أهل الثواب هنالك هو التسبيح والتقديس المقرونان بأنفاسهم لا يجدون أذىً ولا تعبًا، ومع هذا إذا ظنّ أحد أنه وصل إلى مقام سقط عنه التعبد والعبودية فقط كفر بالاتفاق! نعم يمكن أن يقال أنه وصل إلى مرتبة الكفر بالله، والانسلاخ عن الإنسانية فيسقط عنه التكليف، نعوذ بالله من غضب الله.
في بيان أفضل العبادات واختلاف الناس فيها
اختلف الناس في تعيين أفضل الأعمال والعبادات.
فقال بعضهم: أفضل الأعمال والعبادات وأنفعها هي كل عبادة وعمل تكون فيه المشقة أكثر، بدليل أن في الأعمال الشاقة ينقص هوى النفس، ولأن الأجر على قدر المشقة، فلهذا أيّ عمل تكون مشقته أكثر يكون أجره أكبر، وقد استدلوا لرأيهم بحديث لا يوجد له سند صحيح وهو: أفضل الأعمال أحمرها، وهذه الطائفة هم أهل المجاهدة والجور على النفس، وقالوا: إن النفوس بطبيعتها مائلة إلى الخمول والتكاسل، ولا يكمل الإنسان إلا بتحمل الشدائد والمشقات، فلهذا كلما زاد مشقة العمل صار أفضل عندهم.
وقال آخرون: أفضل العبادات التجرد والزهد في الدنيا، ولذا ينبغي أن لا يتوجه العبد إلى الدنيا ولا يغترّ وينخدع بزخرفها.
وأهل هذا الرأي ينقسمون إلى قسمين:
[أولًا] العوام أو جُهال هذه الجماعة وهم الذين ظنوا أن غاية العبادة هو الزهد في الدنيا والإعراض عنها فشمّروا، وعملوا على هذا المنوال ودعوا الناس إلى هذا الطريق، وقالوا إن الزهد والتجرد عن الدنيا أفضل من تحصيل العلم والعبادة وجعلوا الزهد في الدنيا غاية كل عبادة وعلم.