وقال آخرون: أفضل العبادات وأنفع الأعمال ما كان يتعدى نفعه إلى الغير، فرأوا أن النفع المتعدي أفضل من النفع القاصر. وقالوا إن الاشتغال بمصالح الناس وقضاء حوائجهم ومساعدتهم بالمال والجاه أفضل العبادات وأشرف القربات، واستدلوا بقول الرسول الكريم صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أنه قال: (الخلق كلهم عيال الله وأحبّهم إليه أنفعهم لعياله) وكما استدلوا أيضًا بأن عمل العابد نفعه قاصر على نفسه، لكن العمل النافع المتعدي وكتعليم العالم فيستفيد منه هو والآخرون أيضًا، فالإحسان إلى الغير أفضل من الإحسان لنفسه، واستدلوا بأن فضل العالم على العابد كفضل القمر على سائر النجوم، كما قال النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لأمير المؤمنين (ع) : لأن يهدي الله بك رجلًا واحدًا خيرٌ لك من حُمر النعم [1] [2] ، وقال أيضًا: من دعا إلى هدى كان له من الأجر مثل أجور من اتبعه من غير أن يُنقص من أجورهم شيئًا [3] ،وقال: وإن الله وملائكته يصلون على معلّم الناس الخير، وقال الرسول الكريم صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: إن العالم ليستغفر له من في السماوات ومن في الأرض حتى الحيتان في البحر والنملة في جحرها، واستدلوا لقولهم بدليل آخر وهو أن صاحب العبادة إذا مات انقطع عمله، ولكن صاحب العلم النافع لا ينقطع أجره ما دام الناس ينتفعون بعلمه.
(1) يقول الراغب الأصفهاني: النعم لفظ يختص بالجمل، وجمعه أنعام، وسمِّي الجمل بالنعم، لأن أكبر نعم العرب هو الجمل، ويُطلق النعم على الجمل والبقر والخروف، ولا يطلق عليها الأنعام إلا أن يكون فيها الجمل. (شريعت)
(2) انظر: بحار الأنوار للمجلسي ج 1 ص184
(3) انظر: كتاب سليم بن قيس ص430