ولما وضح له بالدلائل البيّنة والحجج الباهرة أن هذه الأصنام التي يصنعها لا تستطيع أن تكون واسطة وشفيعة له عند رب الأرباب قال: (يا أبت إني قد جاءني من العلم ما لم يأتك فاتبعني أهدك صراطًا سويًا * يا أبت لا تعبد الشيطان إن الشيطان كان للرحمن عصيًا) (19/45-46) ، لم يقبل آزر هذه الكلمات وقال: (أراغب أنت عن آلهتي يا إبراهيم لئن لم تنته لأرجمنّك واهجرني مليًا) (19/48) ، حينما لم تؤثر الحجة العلمية في آزر وأتباعه أقام إبراهيم عليه السلام البرهان عمليًا فقام بكسر الأصنام، يقول تعالى: (قالوا أأنت فعلت هذا بآلهتنا يا إبراهيم قل بل فعله كبيرهم هذا فسألوهم إن كانوا ينطقون) (21/64-65) ، استطاع إبراهيم عليه السلام أن يفحم أتباع آزر عن الإجابة عن دليله وبرهانه, فلجأوا إلى طريقة الجهال حين يبُهتون عن الحجة مع الخصم فيسعون في إذيته، ومنهم آزر حين لم يجد جوابًا لحجة ابنه بدأ بالمخاصمة (لئن لم تنته لأرجمنك) (19/48) .
إبراهيم عليه الصلاة والسلام الذي أراه الله ملكوت الأكوان وأسرار العالمين كما يقول تعالى: (وكذلك نُري إبراهيم ملكوت السماوات والأرض وليكون من الموقنين) (6/76) ، ناظر أيضًا أصحاب الهياكل، لكن بطريق الإلزام والمماشاة مع الخصم والمجادلة بأحسن أسلوب حيث أوحى لهم بأنه سيتخذ النجوم معبودًا (فلما جنّ عليه الليل رأى كوكبًا قال هذا ربّي فلما أفل قال لا أحب الآفلين) (6/77) ، فكل ما يزول وهو عرضةً للتغيّر والانتقال فلا يصح أن يكون بمنزلة الإله لأنه يتغيّر وكل متغير يحتاج إلى مُغيّر، كما أنه لا يصح أن يكون وسيطًا أو شفيعًا لأن صفة الأفول والزوال تُخرجه عن حدّ الكمال.
وبناءً على هذا رأى بعض الصابئة اتخاذ المجسمات -الأصنام- كما سبق، لأن الأفول يمتنع معها التوجه إلى النجوم، ولهذا جعلوا أشخاصًا قائمين مقام الهياكل، كما مرّ بالتفصيل.