وإن قيل إن أهل التنجيم استدلوا على صحه طريقهم بالآية المباركة (إنا أرسلنا عليهم ريحًا صرصرًا في يوم نحس مستمر) (54/18) ، والآية الشريفة: (فأرسلنا عليهم ريحًا صرصرًا في أيام نحسات) (41/16) فلو قالوا: في هاتين الآيتين أشير إلى يوم نحس فيعلم أن في الأيام سعد ونحس.
نجيب: أولًا: أن يوم النحس بمعنى اليوم شديد البرد، والراغب الأصفهاني صرح في كتاب المفردات: أيام نحسات يعني شديدات البرد.
ثانيًا: أن الزمان علّة متحركة وفي ذاته التصرم والانقضاء، وبشكل أوضح هو موجود سيّال غير باق، وهذا الموجود المتصرّم فيه أجزاء منها دقيقة وساعة والليل والنهار والأسبوع والشهر والسنة والقرن والدهر وكل قطعة من الزمان توجد ثم لا ترجع بعد ذهابها وانقطاعها.
ما فات مضى وما سيأتيك فأين ... ... قم فاغتنم الفرصة بين العدمين [1]
ولا يوجد الجزء الثاني من الزمان حتى ينقطع الجزء الأول منه. فمثلًا: لا يوجد الأحد حتى ينعدم يوم السبت، وذات الزمان الذي حقيقته سيالة لا يتصور فيه السعد والنحس لنقول هذا القطعة نحس وهذه القطعة سعد أو هذه مباركة وهذه غير مباركة، لكنّ أجزاء الزمان تصير سعدًا أو نحسًا بحسب الحوادث التي تقع فيها، فمثلًا شهر رمضان صار سعدًا لنزول القرآن فيه.
الحاصل: أن الموجودات والحوادث تكون أحيانًا سعدًا وأحيانًا نحسًا، لكن الموجودات الزمانية واقعة في أفق الزمان. بهذا السبب ينسبون سعدها ونحسها إلى الزمان، والزمان ليس علة للسعد والنحس، ولا يمكن أن يقال إن اليوم الفلاني نحس و اليوم الفلاني سعد، أو الأيام لها تأثير في الحوادث. ما هذا إلا ضلال مبين.
(1) انظر نهج السعادة للشيخ سعدي 3/17 وقد نسب المظاهري هذا البيت لعلي بن أبي طالب رضي الله عنه (انظر الفضائل والرذائل 71)