كان أهل الجاهلية إذا سمعوا عطسة امتنعوا عن العمل، وإذا أرادوا الصيد يومًا خرجوا قبل استيقاظ الناس كيلا تصدر عطسة عن أحد فتكون مانعة لهم عن الذهاب إلى الصيد. وإذا صدرت العطسة ممن يحبون كانوا يقولون (عمرًا وشبابًا) ، وإذا كانت العطسة من أحد يبغضونه يقولون وريا وقحابًا [1] ، وحين ما طلعت شمس النبوة في سماء جزيرة العرب أبطل الله بواسطة رسوله هذه الأوهام والخرافات الجاهلية، ونهى الناس عن التشاؤم والتطير بالعطسة نهيًا صريحًا وشرع لهم بدل التطير بالعاطس أن يطلبوا له الرحمة، ولما كان التشاؤم بالعاطس خرافة شرع لهم بدلًا منه الدعاء بلفظ الرحمة، وأُمر السامع أن يُشمّت، ويطلب المغفرة للعاطس، والمراد بالتشميت قول (يرحمك الله) ، وقرأها بعضهم (التسميت) بالسين المهملة بمعنى التكريم والاحترام.
الحاصل أن التشاؤم بالعطسة كان من أمور الجاهلية، وقد أبطله الإسلام. قال النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: (إن الله يحبّ العطاس، ويكره التثاؤب، فإذا تثاءب أحدكم فليستره ما استطاع فإنه إن فتح فاه فقال آه آه ضحك منه الشيطان) [2] ، لأن العطسة سبب للنشاط والتثاؤب علامة للكسل والتكاسل.
التفاؤل مستحسن وممدوح
(1) ذكر ابن منظور أنهم كانوا يقولون للشاب إذا سعل عمرا وشبابًا، وللشيخ إذا سعل وريا وقحابا، وفي التهذيب يقال للبغيض إذا سعل وريا وقحابا وللحبيب إذا سعل عمرًا وشبابًا. (لسان العرب1/662)
(2) انظر سنن أبي داود 2/482, صحيح ابن خزيمة 2/62، وانظر: مستدرك الوسائل للميرزا النوري الطبرسي 8/384