فهرس الكتاب

الصفحة 10 من 52

أثبتنا له العلو لأستلزم ذلك أن يكون في جهة وهي ممتنعة على الله تعالى. ويقول المعتزلي مثلًا: لو أثبتنا الصفات لله تعالى لأستلزم وصفه بالجسمية، وهي ممتنعة على الله تعالى فلما كثر جدالهم بهذه الألفاظ على عوام المسلمين نظر أهل السنة إليها بنظران: فنظروا إلى ألفاظها بنظرة ونظروا إلى معانيها بنظرة، فقالوا: إن هذه الألفاظ التي لم يرد لها دليل بخصوصها لا من القرآن ولا من السنة ولا عن سلف هذه الأمة، هذه الألفاظ لنا فيها مذهبان، مذهب في ألفاظها ومذهب في معانيها، فأما مذهبنا في ألفاظها فإننا نتوقف فيها فلا نتكلم بها نفيًا ولا إثباتًا، أي لا نثبت ألفاظها ولا ننفيها، فلا نقول: الله في جهة، ولا نقول: ليس في جهة، وكذلك لا نقول: الله له جسم، ولا نقول: ليس له جسم، وكذلك لا نقول: الله في حيز ولا نقول: ليس في حيز، وكذلك لا نقول: الله في مكان ولا نقول: ليس الله في مكان، فلا نثبت شيئًا من هذه الألفاظ و لا ننفيه، وذلك لأنه لم يرد في القرآن ولا في السنة ولا في كلام السلف لا نفيه ولا إثباته، وما لم يرد إثباته ولا نفيه في القرآن والسنة وكلام السلف فلا حق لأحدٍ أن يثبته أو ينفيه، فهذا بالنسبة لذهب أهل السنة في ألفاظها وأعيده مختصرًا فأقول: نتوقف في ألفاظها فلا نثبتها ولا ننفيها. ونمسك ألسنتنا عن الخوض فيها، فهذا بالنسبة لمعتقدنا في هذه الألفاظ. وأما بالنسبة لمعانيها، فقبل أن أبين لك مذهب أهل السنة فيها أحب أن أقدم لك مقدمة مهمة جدًا لفهم حقيقة هذه الألفاظ، وهي كما يلي:

أعلم رحمنا الله وإياك أن هذه الألفاظ لها معانٍ فالجهة لها معانٍ والمكان له معانٍ والجسم له معانٍ والحيز له معانٍ، وهذه المعاني التي تحملها هذه الألفاظ ليست باطلًا محضًا لترد مطلقًا ولا حقًا محضًا لتقبل مطلقًا، بل فيها حق وباطل، وقد تقرر عند السلف رحمهم الله تعالى أن ما أحتمل الحق والباطل، فإنه لفظ مجمل، فلا يردونه مطلقًا لأن فيه حقًا والحق لا يرد ولا يقبلونه مطلقًا لأن فيه باطلًا والباطل لا يقبل، إذًا لا بد من أن يتميز حق هذه المعاني من باطلها، ولا يمكن ذلك إلا بالاستفصال، والمراد به طلب التفصيل من المتكلم بهذه الألفاظ فبالإستفصال يزول الإشكال ويتضح المقال، فإذا بين المعنى الحق فإنه يقبل وإذا قصد المعنى الباطل فإنه يرد، وهذا شأن جميع

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت