فهرس الكتاب
غليه، فإنهم كانوا أحرص على الخير والهدى ممن بعدهم وهذا لا شك فيه، وبناءً عليه فنقول: كيف تعرف كيفية صفات الله تعالى ونحن لم نره، وليس له مثيل ولا ند ولا نظير يستدل به عليه ولم يخبرنا الصادق صلى الله عليه وسلم عن الكيفية، فحيث انتفت هذه الطرق كلها ينتفي معها العلم بالكيفية، وحيث انتفى العلم بها لم يبقى إلا تفويضها إلى الله تعالى، وهذا هو ما نريد إثباته هنا، وهو أمر مهم جدًا، وأعيده مختصرًا فأقول: أهل السنة رحمهم الله تعالى يعلمون المعاني ويجهلون الكيفيات. فإن قلت: ما العمل إذا سألني أحد عن كيفية صفة من صفات الله تعالى، فقال: لي مثلًا: كيف وجه الله؟ أو قال: كيف استواء الله تعالى؟ أو قال: كيف نزول الله تعالى؟ فما الرد عليه؟ فأقول: الرد عليه يكون بعدَّةِ أمور:.
الأول: أن تبين له حقيقة قوله هذا وأنه قول مبتدع وسؤال مخترع لم يسبقه إليه إلا المخالفون لمنهج الصحابة والسلف الصالح، وأنه هاوية إلى التمثيل، ومزلق وخيم من مزالق الابتداع ومدخل شيطاني واسع على القلوب والعقول، فيجب سده وإحكام إغلاقه بالأقفال الثقيلة وأعظم ذلك الإمساك وحبس اللسان والجنان عن التفكير والتلفظ بهذا السؤال الذي لا طائل من ورائه إلا الحيرة والشكوك والتيه والحسرة والخيبة.
الثاني: أن تقول له ما قاله الإمام مالك لما سأله سائل عن كيفية الاستواء، قال به: (الاستواء غير مجهول والكيف غير معقول والإيمان به واجب والسؤال عنه بدعة) وهذا الجواب الحكيم صالح لإجابة كل من سأل عن كيفية الصفات، فمن سألك عن كيفية الوجه تقول: الوجه معناه معلوم وكيفه مجهول والإيمان به واجب السؤال عنه بدعة، ومن سألك عن كيفية النزول فتقول: النزول معلوم والكيف مجهول والإيمان به واجب والسؤال عنه بدعة، ومن سألك عن كيفية البصر فقل: البصر معلوم والكيف مجهول والإيمان به واجب والسؤال عنه بدعة وهكذا في سائر الصفات، فهي معلومة من ناحية معناها، ومجهولة من ناحية كيفياتها والإيمان بها واجب لورود الأدلة بها وما صح به النقل وجب تصديقه إن كان خبرًا والعمل به إن كان طلبًا، والسؤال عن الكيفية بدعة لأنه لا يعرف عن الصحابة ولا