الصفات تنفى عن الله مطلقًا أي في كل الأحوال، مع إثبات كمال ضدها، كما سيأتي بعد قليل إن شاء الله تعالى، فهذان القسمان واضحان وفهمهما يسير فصفات الكمال المطلق تثبت لله تعالى على وجه الإطلاق، وصفات النقص المطلق تنفى عن الله على وجه الإطلاق.
الثالث: صفات هي كمال باعتبار ونقص باعتبار، أي أنك إذا رأيتها من وجه وجدتها كمالًا، وإذا نظرت لها من وجهٍ وجدتها نقصًا، فالمذهب في هذا النوع من الصفات أنها تثبت لله حال كمالها وتنفى عن الله حال نقصها.
فلا تثبت لله مطلقًا ولا تنفى عنه مطلقًا، بل تثبت له وتنفى عنه في حال دون حال، فإذا كانت كمالًا أثبتناها وإذا كانت نقصًا نفيناها ويمثل لها بصفة المخادعة فإنها ليست من قبيل الكمال المطلق حتى نلحقها بالقسم الأول، ولا من قبيل النقص المطلق حتى نلحقها القسم الثاني، بل هي كمال باعتبار ونقص باعتبار، فالمخادعة ابتداءً بلا موجبٍ ولا مقتضٍ صفة نقص فتنفى عنه جل وعلا، أي أن الله تعالى لا يوصف بالمخادعة ابتداءً، وأما المخادعة باعتبار الجزاء والمقابلة جزاءً وفاقًا فإنها كمال لأنها تدل على كمال علم الله تعالى وتمام قدرته جل وعلا فيوصف الله بها ولذلك فإنك لا تجد المخادعة مضافة إلى الله تعالى ابتداءً وإنما تجدها مضافة إليه من باب الجزاء والمقابلة كقوله تعالى (إن المنافقين يخادعون الله وهو خادعهم) ، ومثال آخر: صفة الكيد، فإن هذه الصفة ليست من الكمال المطلق حتى تلحق بالقسم الأول ولا من النقص المطلق حتى تلحق بالقسم الثاني، بل هي كمال من وجه ونقص من وجه، فيقال فيها ما قد قيل في القسم الثالث فنثبتها لله حال كمالها وننفيها عنه حال نقصها، فإذا نظرنا إلى صفة الكيد ابتداءً بلا موجبٍ ولا سبب يقتضيه وجدناه نقصًا فننزه الله تعالى عنه، لأنه حينئذٍ نوع من الظلم والله تعالى منزه عن الظلم، وأما الكيد باعتبار الجزاء والمقابلة أي جزاءً وفاقًا ومعاملة بالمثل، ومن باب الجزاء من جنس العمل فإنه كمال لأنه دليل على كمال علم الله تعالى وتمام قدرته على المقابلة بالمثل، فيوصف الله تعالى حينئذٍ، فالكيد ابتداءً نقص لا يوصف الله به، والكيد من باب الجزاء والمقابلة كمال يوصف الله به،