المعنى الأول: النسيان بمعنى الغفلة والذهول عن الشيء، فتجد الرجل منا يضع مفتاحه أو نظاراته في مكان، ثم ينساه، أي غفل وذهل عنه، بل قد يكون أحيانًا في يده وهو يبحث عنها، فهذا النسيان بهذا المعنى نقص فينزه الله عنه وهو النسيان المنفي في قوله تعالى (وما كان ربك نسيا) وفي قوله تعالى (لا يضل ربي ولا ينسى) وهذا النسيان مبناه على انقطاع التفكير وعزوب المعلوم عن القلب، وهذا نقص لا يليق بالخالق الكامل في ذاته من كل وجه والكامل في صفاته من كل وجه والكامل في أفعاله من كل وجه
المعنى الثاني: النسيان بمعنى الترك عن علمٍ وعمدٍ جزاءً ومقابلة للمتروك، فهذا الترك في لغة العرب يسمى نسيانًا، وهذا النسيان بهذا الاعتبار كمال فيوصف الله تعالى به وهو المثبت في قوله تعالى (نسوا الله فنسيهم) وفي قوله تعالى (فذوقوا بما نسيتم لقاء يومكم هذا إنا نسيناكم) وفي فوله تعالى (كذلك أتتك آياتنا فنسيتها وكذلك اليوم تنسى) فلا نقص في هذا النسيان بوجهٍ من الوجوه لأن ما نثبته لله تعالى من الصفات فلله أعلاها وغايتها ونهايتها وكمالها المطلق، وخلاصة الكلام: أن النسيان بمعنى الغفلة والذهول عن الشيء نقص فلا يوصف الله تعالى به، والنسيان بمعنى الترك عن علم ٍوعمدٍ جزاءً ومقابلة كمال فيوصف الله تعالى به والله أعلم.
ومثال آخر: صفة الأسف، فإنها ليست من قبيل الكمال المطلق حتى نلحقها بالقسم الأول، ولا من قبيل النقص المطلق حتى نلحقها بالقسم الثاني بل هي كمال باعتبار ونقص باعتبار، وبيان ذلك أن يقال: إن الأسف له في لغة العرب معنيان:
المعنى الأول: الحزن ومنه قوله تعالى (ولما رجع موسى إلى قومه غضبان أسفًا) وهو ضعف في النفس يعتريها لعدم تحمل الأمر الوارد، وهو نوع من النقص في البشر فالأسف بهذا الاعتبار نقص في ينزه الله عنه.
المعنى الثاني: الأسف بمعنى الغضب ومنه قوله تعالى (فلما آسفونا انتقمنا منهم) أي أغضبونا، فالأسف بهذا المعنى كمال يوصف الله تعالى به، وبناءً على ذلك فالأسف بمعنى الحزن نقص لا يوصف الله به، والأسف بمعنى الغضب كمال يوصف الله به ولعل الأمر الثاني قد