المبحث الثانى:
حقيقة اختلاف القراءات
فحقيقة اختلاف القراءات: هي اختلاف تنوع وتغاير لا اختلاف تضاد وتناقض، فإن هذا محال أن يكون في كتاب الله تعالى (11) كما قال تعالى: {أَفَلاَ يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ وَلَوْ كَانَ مِنْ عِندِ غَيْرِ اللّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلاَفًا كَثِيرًا} (12) ، وقال الإمام ابن الجزرى (13) :"وقد تدبرنا القراءات كلها فوجدناها لا تخلوا من ثلاث أحوال (14) ."
الحالة الأولى: اختلاف في اللفظ والمعنى واحد.
الحالة الثانية: اختلاف اللفظ والمعنى، مع اجتماعهما في شيء واحد.
الحالة الثالثة: اختلاف اللفظ والمعنى، مع امتناع اجتماعهما في شيء واحد، بل يتفقان في وجه آخر لا يقتضي التناقض.
أما الحالة الأولى:"اختلاف في اللفظ والمعنى واحد"فيدخل فيه ما اختلفت فيه لغات العرب، نحو لفظ"الصراط"بالصاد وبالسين وبإشمام الصاد صوت الزاى، ونحو لفظ"عليهم وإليهم"بضم الهاء على الأصل وبكسرها مجانسة للياء ونحولفظ"القدس"بإسكان الدال وضمها (15) .
وأما الحالة الثانية:"اختلاف اللفظ والمعنى مع اجتماعهما في شيء واحد"فمثاله: {ملكِ يَوْمِ الدِّينِ} (16) تقرأ بالألف وحذفها. والمراد فيها هو الله تبارك وتعالى لأنه مالك يوم الدين وملكه، ونحو"يكذبون"فى قوله نعالى: {وَلَهُم عَذَابٌ أَلِيمٌ بِمَا كَانُوا يَكْذِبُونَ} (17) تقرأ بالتخفيف هكذا:"يَكذبون"وبالتشديد هكذا:"يُكذبون"والمراد المنافقون لأنهم يكذبون النبي صلى الله عليه وسلم ويَكْذِبون في أخبارهم (18) ، ونحو"ننشزها"فى قوله تعالى: {وَانظُرْ إِلَى العِظَامِ كَيْفَ نُنشِزُهَا} (19) ، تقرأ بالزاى وبالراء والمراد العظام، لأن الله أنشرها، والمعنى: أحياها، وأنشزها، والمعنى: رفع بعضها إلى بعض حتى التأمت (20) .
وأما الحالة الثالثة:"ما اختلف فيه اللفظ والمعنى وامتنع اجتماعهما في شيء واحد بل يتفقان في وجه آخر لا يقتضي التناقض" (21) ،فالأمثلة: نحو لفظ"لتزول"فى قوله تعالى: {وَإِن كَانَ مَكْرُهُمْ لِتَزُولَ مِنْهُ الْجِبَالُ} (22) ، تقرأ بفتح اللام الأولى ورفع الثانية هكذا:"لَتزولَ" (23) ، ووجه القراءة الأولى أن"إن"مخففة من الثقيلة، والمعنى: وإن مكرهم كان من الشدة بحيث تقتلع منه الجبال الراسيات من مواضعها (24) ، ووجه القراءة الثانية: أن"إن"نافية، والمعنى: ما كان مكرهم وإن تعاظم وتفاقم ليزول منه أمر محمد صلى الله عليه وسلم ودين الإسلام ففى القراءة الأولى تكون الجبال حقيقة وفى الثانية تكون مجازا، ونحو لفظ"فتنوا"فى قوله تعالى: {ثُمَّ إِنَّ رَبَّكَ لِلَّذِينَ هَاجَرُوا مِن بَعْدِ مَا فُتِنُوا ثُمَّ جَاهَدُوا وَصَبَرُوا إِنَّ رَبَّكَ مِن بَعْدِهَا لَغَفُورٌ رَّحِيمٌ} (25) ، تقرأ بالتجهيل. هكذا:"فُتِنُوا"وبالتسمية هكذا:"فَتَنُوا"، فعلى القرأءة الأولى يعود الضمير للذين هاجروا وعلى القراءة الثانية يعود الضمير إلى"الخاسرون"، ونحو"علمت"من قوله تعالى: {قَالَ لَقَدْ عَلِمْتَ مَا أَنزَلَ هَؤُلاء إِلاَّ رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ ... } (26) تقرأ بضم التاء هكذا:"علمتُ"، وتقرأ بفتح التاء"علمتَ".
وجه الضم أنه أسند العلم إلى موسى عليه السلام حديثا منه لفرعون حين قال فرعون: {إِنَّ رَسُولَكُمُ الَّذِي أُرْسِلَ إِلَيْكُمْ لَمَجْنُونٌ} (27) فقال موسى عليه السلام على نفسه: {لَقَدْ علمتُ مَا أَنزَلَ هَؤُلاء إِلاَّ رَبُّ السَّمَوَاتِ} والمعنى: إن العالم بذلك ليس بمجنون، ووجه الفتح أنه أسند الفعل إلى فرعون مخاطبة من موسى عليه السلام به بذلك على وجه التقريع لشدة معاندته للحق بعد علمه (28) ، والمعلوم أن ذلك كله وإن اختلف لفظا ومعنى وامتنع اجتماعه في شيء واحد فإنه قد اجتمع من وجه آخر، يمتنع فيه التضاد والتناقض وكل ذلك دليل وبرهان أنه لا يوجد تناقض في أوجه القراءات.
(11) النشر في القراءات العشر 1/ 49.
(12) سورةالنساء الآية 82.
(13) هو شيخ القراء والمحدثين ومرجع الإسناد فيهما محمد بن محمد بن محمد بن على بن يوسف الجزرى ويكنى أبا الخير ولد ليلة السبت 25/رمضان/751 هـ بدمشق المحروسة حفظ القرآن الكريم سنة 764 هـ وصلى به 765 هـ واجازه خال جده محمد بن إسماعيل الخباز وسمع الحديث من جماعة من أصحاب الفخر بن البخارى وغيرهم وإفرد القراءات على الشيخ أبى محمد بن عبد الوهاب السلاري والشيخ محمد بن إبراهيم الطحان والشيخ أحمد بن رجب سنة 766 هـ إلى 767 هـ وجمع السبعة على الشيخ المجود إبراهيم الحموي ثم جمع القراءات بمضمن كتب عدة على الشيخ أبى المعالى بن اللبان سنة 768 هـ وحج في هذه السنة فقرأ بمضمن الكافي والتيسير على الشيخ أبى عبد الله محمد بن صالح خطيب وإمام مسجد المدينة المنورة الشريفة ثم رحل إلى الديار المصرية فقرأ على مشايخها فأجازوه وأذنوا له بالافتاء ولي القضاء في الشام 793 هـ والمدينة المنورة 823 هـ ومن كتبه النشر في القراءات العشر، وتقريب النشرفي القراءات العشر، وطيبة النشرفي القراءات العشر، وتحبير التيسيرفي القراءات العشر، والمقدمة الجزرية. توفي في جمعة 5/ربيع الأول /833 هـ الموافق 1430 م (غاية النهاية 2/ 247) .
(14) المصدر السابق.
(15) المصدر السابق.
(16) سورة الفاتحة الآية 4.
(17) سورة البقرة الآية 10.
(18) الكشف عن وجوه القراءات 1/ 227.
(19) سورة البقرة الآية 259.
(20) النشر في القراءات العشر 1/ 50.
(21) المصدر السابق.
(22) سورة إبراهيم الآية 46.
(23) المصدر السابق
(24) الكشف عن وجوه القراءات 2/ 27.
(25) سورة النحل الآية 110.
(26) سورة الإسراء الآية 102
(27) سورة الشعراء الآية 27.
(28) الكشف عن وجوه القراءات 2/ 22.