عبد الله ابن مسعود الصحابي الجليل رضي الله تعالى عنه يقول وهو يصحح مفهوم عندنا عند كثير من الناس في واقعنا الآن, قال ليس العِلم بكثرة الرواية قال فلان وحدثنا فلان و و و ... لا"ليس العِلم بكثرة الرواية إنما العِلم الخشية", قد يكون إنسان عنده الشهادات العليا والمناصب الرفيعة ولكنه ليس في قلبه خشية لله جل وعلا فهو يحرف الدين ويبدل ويغير من أجل أهواء أناس, فالعلم ليس بكثرة الرواية ولا بكثرة جمع الكتب وإنما هو الخشية, أن تكون في قلب العبد خشية الله الخوف من الله.
وهذا الإمام مالك إمام دار الهجرة رحمه الله تعالى يقول:"العِلم والحكمة نور يهدي به الله من يشاء وليست بكثرة المسائِل", فانتبهوا يا رعاكم الله من هذا الأمر الخطير أننا نحفظ العِلم ونجمع الكتب ونأخذ الإجازات والتزكيات والشهادات ومع ذلك ليس للعلم في واقعنا وفي حياتنا وفي أخلاقنا تأثير حي واقع محسوس ملموس, هذا الإمام الحسن البصري رحمه الله تعالى يقول قد كان الرجل يطلب العِلم -زمن السلف- كان الرجل يطلب العِلم وما أن يمكث قليلًا إلا وتجد أن العِلم أثر في صلاته وأثر في خشوعه وأثر في بصره وأثر في لسانه, تجد العِلم سبحان الله يؤثر في حياته كلها, هكذا كانوا رضي الله تبارك وتعالى عنهم.
أما عن عبادتهم فهم قد ضربوا أروع الأمثلة في قوة العِبادة, كان شغلهم الشاغل, كانوا يعبدون الله في كل وقت في السراء وفي الضراء في السفر في الحضر في البيت في المسجد مع الناس أو كان وحده ولماذا لا يكونوا في هذا المستوى وقدوتهم هو نبيهم محمد صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم, فقد كان النبي صلى الله عليه وسلم يضرب لنا أروع الأمثلة في قوة العبادة فكان يقوم الليل صلى الله عليه وسلم حتى تتفطر قدماه فتقول له عائشة رضي الله تعالى عنها يا رسول الله لماذا تكلف نفسك وقد غفر الله لك ما تقدم من ذنبك وما تأخر؟ قال:"أفلا أكون عبدًا شكورًا"الله أكبر!.
اسمعوا إلى هذه القصة: عبد الله ابن عمر الصحابي الجليل العابد الصائم القائِم العالِم عبد الله ابن عمر رأى رؤيا أنه أتاه ملكين - والحديث في صحيح البخاري - أتاه ملكين فأخذاه إلى النار - هذه في الرؤيا في المنام - فيقول فرأيت النار وهي مطوية كطي البئر ورأيت أناس عرفتهم فقلت أعوذ بالله من النار أعوذ بالله من النار أعوذ بالله من النار, فذهب عبد الله ابن عمر يقص هذه القصة على أخته حفصة أم المؤمنين زوجة النبي صلى الله عليه وسلم فقصّتها حفصة على رسول الله صلى الله عليه وسلم, فماذا قال رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ قال:"نِعم الرجل عبد الله لو كان يصلي من الليل", انظر إلى واقع الصحابة بهذه الكلمة تأثر بها تغيرت حياة عبد الله ابن عمر, ليست بخطبة ولا درس ولا محاضرة, كلمة واحدة سمعها من رسول الله صلى الله عليه وسلم تأثر بها حتى قال سالم وبعدما سمع هذه الكلمة عندما قال رسول الله عليه الصلاة والسلام"نِعم الرجل عبد الله لو كان يصلي من الليل"بعدها كان عبد الله ابن عمر لا ينام من الليل إلا قليلا, تطبيق عملي واقعي مباشرة التأثر أما نحن كم نسمع من المحاضرات والخطب والدروس آلاف كم طبقنا منها في واقعنا وفي حياتنا وفي سلوكنا؟
محمد ابن طلحة صحابي جليل آخر رضي الله تعالى عنه كان يُلقب بالسّجّاد يسمونه السجاد تدرون لماذا؟ لكثرة صلاته وشدة عبادته كان يُلقب بالسجاد.
عبد الله ابن الزبير كان صوامًا قوامًا كما قال عنه عبد الله ابن عمر, بل سُئِل نافع عن عِبادة ابن عمر في بيته - بعض الناس بس فقط يعبد الله عند الناس إذا كان مع الناس وفي المساجد يعبد الله أو في بعض المواسم موسم مثلًا رمضان أو مثلًا إذا جاءته مشكلة أو مصيبة أو سُجِن فتجده ناسكًا عابِدًا صائمًا ذاكرًا لله وما أن ينتهي رمضان أو تنتهي هذا الأزمة وهذه المشكلة وهذه المصيبة إلا وتجد هذا الإنسان والعياذ بالله يصبح شيطانًا رجيمًا - سُئِل نافع عن عِبادة ابن عمر ماذا كان يفعل في البيت فقال:"لا تُطيقونه", يعني ابن عمر عنده عبادة عظيمة قال لا تُطيقونه قال:"كان يتوضأ لكل صلاة والمصحف بينهما"يعني في بيته إما صلاة وإما عبادة وإما ذِكر وهكذا كان الصحابة, كان الصحابة حياتهم كما نقول سلسلة من الحلقات المتتابعة في طاعة الله