لي أنا آخذ الفتوى, وهذا ليس صحيحًا أن تعين لك شخص واحد فقط تأخذ الفتوى منه, هل هو نزل عليه الوحي؟ هل أقواله دائمًا صحيحة وأفعاله حجة؟
لا .. الحمد لله العلماء كثيرون وتستطيع أن تختار من هو أتقى وأورع وأخشى لله سبحانه وتعالى, وليس شرطًا أن تأخذ الفتوى من المشهورين أو من العلماء الرسميين.
لنكن واقعيين, الصراحة راحة, شيخ أو عالم يشتغل عند الطاغوت, والطاغوت جاثم على قلبه, هل يستطيع أن يصدع بالحق؟
لا يستطيع أن يصدع بالحق لأنه يعرف مصيره أين, إما إلى السجن وإما إلى الطرد, سوف يُطرد ويُشهّر به في الإعلام. فلنكن واقعيين الطاغوت جاثم على قلبك وتريد أن تصدع بالحق؟! كن واقعيًّا, تحرر من العبودية للطاغوت, كن إنسان حر كشيخ الإسلام ابن تيمية, كلما عظم تعلق الإنسان بالله سبحانه وتعالى والدار الآخرة كلما تحرر من الدنيا أكثر -وهذه معادلة ذهبية- انظر إلى شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله, كان زاهدًا بالدنيا لا يبالي بأحد لا بكبير ولا بصغير, عندما قال ما يفعل أعدائي بي, أنا سجني خلوة -أختلي مع ربي أقيم الليل وأتعبد وأصلي وأذكر الله وأناجي الله- وقتلي شهادة, تريدون تقتلوني يا أعدائي؟ تفضلوا هذه الرقبة اقتلوني ليس لدي مشكلة, لكن بعض الناس عنده مشكلة كبيرة لو يُقدم للإعدام يقول فضيحة الناس ماذا يقولون, بالعكس هذا شرف لك شهادة في سبيل الله, كما قال صلى الله عليه وسلم:"أفضل الشهداء عند الله رجل قام إلى سلطان فصدع بالحق"... وانظر إلى شيخ الإسلام ابن تيمية -وهذه نظرة ثانية- الإنسان لو ينظر إلى واقع شيخ الإسلام ابن تيمية يقول خلاص شيخ الإسلام ابن تيمية لن تنتشر كتبه لأنه يدخل في سجن ويخرج من سجن, وكان بعض العلماء في زمانه يوشون به عند السلطان, فتقول كيف تنتشر كتبه والحاكم قد سخط عليه وبعض العلماء سخطوا عليه واتهموه؟ ولكن انظر منذ 600 أو 700 سنة أكثر إنسان الآن اشتهرت كتبه في العالم وتُرجِمت إلى عدة لغات هو شيخ الإسلام ابن تيمية.
إذن البركة يا أحبابي الكِرام ليست بالكثرة وهذا مفهوم جديد لا بد أن نصححه, البركة قد تكون في القليل, قد يخطب الإنسان عشرين سنة, أو ثلاثين سنة, خطب ودروس ومحاضرات لكن لا أحد يتأثر أو ينتفع بها في العالم, وممكن لم يهتدي على يده شخص واحد, لكن الإنسان قد يخطب خطبة واحدة ويطرح الله فيها البركة وتُسجّل منها ملايين النُسخ ويهتدي عليها الآلاف, انظروا كُتيب واحد صغير اسمه"حصن المسلم"كم انتشر في العالم, ممكن أكثر كتاب انتشر في العالم هو كتاب حصن المسلم وتُرجِم إلى ثلاثين لغة تقريبًا, والإنسان ممكن يؤلف مائة كتاب ومجلدات من أحسن الطبعات وأرقى الأوراق ومع ذلك هي موضوعة على الأرفف لم يستفد منها أحد.
إذن لا بد أن نراجع أنفسنا, البركة من الله ليست البركة بكثرة أعمالك وليست البركة في كثرة جهودك في الدعوة إلى الله, إذا لم يطرح الله البركة في كلامك وجهدك وكتبك وأشرطتك لن يكون فيها الخير والفائدة والنفع العظيم للإسلام والمسلمين, هذه قضية مهمة جدًّا لا بد أن ننتبه لها.
ولهذا نسأل كل واحد من طلبة العِلم -وهذا من الأسئلة الحرجة- اسئل نفسك, الآن لك عشر سنوات أو عشرين سنة في طلب العلم, حفظت البخاري ومسلم وقرأت بلوغ المرام ودرست كتاب التوحيد والواسطية و .. وعندك من الإجازات, طيب هل هذا العِلم له تأثير في واقعي في أخلاقي في قلبي في سلوكي في تعاملي في عبادتي؟ نحن أحيانًا نهتم بجمع الكتب ونهتم بكثرة المحفوظات ونهتم بأخذ الإجازات والشهادات ولا نهتم بثمرة العِلم, ثمرة العِلم مهمة يجب أن ننتبه إلى عبوديات القلب, وأقصد بعبوديات القلب هي الخشية والتوكل والصدق والإخلاص مع الله, هل أنت كل يوم أو كل بعد ستة أشهر أو سنة تشعر بازدياد في الطاعة؟ صلاتك تتغير كما يقول الإمام الحسن البصري: كان الرجل منا إذا طلب العِلم لا يأتي عليه وقت إلا ويتغير بصره ولسانه وعبادته, إذا كانت أنت صلاتك يا طالب العِلم هي نفس صلاة الرجل العامي إذن لم تستفد من العِلم شيئًا, لا بد أن يكون للعلم تأثير في قلبك وواقعك وحياتك, عندما تقرأ قول الله سبحانه وتعالى: (إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا