لك، فيا ربّ إن لم تُعنِّي فمن الذي يُعينني؟ أنا لا أستطيع أن أقوم بأي عمل من الأعمال سواء كانت دينية أو دنيويَّة إلاَّ بعد توفيقك ورحمتك وهدايتك وكرمك وفضلك سبحانه وتعالى، فأنت دائمًا تستشعر الاستعانة بالله عز وجل في كلِّ صغيرة وكبيرة، (إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ) : فالله بيده الأمور كلُّها، بيده الخير كلُّه سبحانه وتعالى، وهذا فيه التبرؤ من الحول والقوة، الآية الأولى (إِيَّاكَ نَعْبُدُ) فيه التبرؤ من الشرك، تتبرأ من الشرك تبتعد من الشرك، وهنا (وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ) تتبرَّأ من ماذا؟ من الحول والقوة، من حولك وقوَّتك، أنا عبدك الفقير المذنب لا حول لي ولا قوة، ولا خير ولا توفيق إلاَّ بك وحدك لا شريك لك.
(إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ) : لا بدَّ أن نقرأ هذه الآية من قلوبنا لا نقولها فقط من ألسنتنا، هذه مشكلة كبيرة أن الناس يقرءون الفاتحة بألسنتهم لا يقرءونها بقلوبهم، هذه الفاتحة العظيمة الذي قال بعض السلف: إنَّ سرَّ القرآن كلّه في الفاتحة، ثمَّ قالوا: سرُّ الفاتحة كلّه في هذه الكلمة (إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ) كلُّ الدين مبني على هاتين الكلمتين (إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ) فلا بد أن نقولها وأن نستشعر المعاني العظيمة الجليلة التي في هذه الكلمة (إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ) .
(اهْدِنَا الصِّرَاطَ المُسْتَقِيمَ) الآن في آخر ثلاثة آيات العبد يسأل ربَّه (اهْدِنَا الصِّرَاطَ المُسْتَقِيمَ) ؛ تسأل الله، تسأله ماذا؟ الهداية، إلى ماذا؟ إلى الصراط المستقيم، هداية التوفيق وهداية الدلالة، هداية الإرشاد، تسأل الله الهداية في كلِّ أمورك وفي كلِّ أحوالك.
وانظروا -يا أحبابي الكرام- لماذا نكرِّر هذه الآية في كلِّ ركعة (اهْدِنَا الصِّرَاطَ المُسْتَقِيمَ) لماذا؟ قد يقول -يسأل بعض الناس- أنا مهتدي الحمد لله؛ أصلي وأصوم وأزكي والحمد لله أحجُّ، لماذا كلّ ركعة (اهْدِنَا الصِّرَاطَ المُسْتَقِيمَ) ؟ فهنا قال الإمام ابن كثير -رحمه الله تعالى- في تفسيره: لأنَّ العبد محتاج إلى الهداية في كلِّ وقت وفي كلِّ لحظة من لحظات حياته، أنت محتاج إلى الهداية في لسانك، في سمعك، في بصرك، في يديك، في رجليك، في أفكارك، في آرائك؛ تحتاج أن الله يهديك في آرائك، تكون آراؤك وأفكارك مسدَّدة توافق مرضاة الله عز وجل، أنَّ الله يهدي سمعك وبصرك ويديك ورجليك فلا تستخدمها في معصية الله، إنما تستخدمها في طاعة الله سبحانه وتعالى، في مرضاته، إذن نحن بحاجة ماسَّة إلى الهداية إلى أنَّ الله يُثبِّتنا على هذا الطريق، كم من إنسان على الهداية سنوات، وبعد سنوات انتكس على عقبه وأصبح ملحدًا كافرًا منافقًا مرتدًا ولا حول ولا قوة إلا بالله، ولهذا كان من دعاء الرسول عليه الصلاة والسلام:"يا مقلِّب القلوب ثبِّت قلبي على دينك"، كان هذا أكثر دعاء الرسول صلى الله عليه وسلم، إذن نحن بحاجة للهداية في كلِّ أوقاتنا في الليل، في النهار، في السِّرِّ، في العلانيَّة، في ظاهرنا، في باطننا، كم من إنسان على