الصفحة 24 من 239

الثالثة: قطع الطمع عن إدراك كيفية هذه الصفات ، وعدم الخوض في السؤال عن الكيفية فلو قال لك قائل: كيف ينزل الله إلى السماء الدنيا؟ فنقول له: كيف هو ؟ فسيقول: لا أعلم كيفيته، فنقول له حينئذ: وأنا لا أعلم كيفية نزوله، إذ العلم بكيفية الصفة يتطلب العلم بكيفية الموصوف بهذه الصفة.

فما أعلمنا الله إياه من خلال وحيه علمناه، وما لم يعلمنا إياه فلا سبيل إلى التوصل إليه بعقولنا، إذ ليس للعقول قانون ثابت، بل قد تختلف العقول والأمزجة، فيرى صاحب هذا العقل ما لا يراه صاحب ذاك العقل، قال تعالى { ولو اتبع الحق أهواءهم لفسدت السموات والأرض ومن فيهن } وهذا ما حدث بالفعل حين تضاربت عقول من اتفقوا عل تقديم العقل على النصوص الشرعية ورأى كل منهم فساد عقل صاحبه.

فبعضهم قالوا: يستحيل عقلًا رؤية الله يوم القيامة لذا اضطررنا إلى تأويل قوله تعالى { وجوه يومئذ ناضرة إلى ربها ناظرة } فقال لهم المخالفون لهم » بل إن رؤية الله ممكنة عقلًا« وهذا لا يعني إبطال دور العقل فإن للعقل وظيفة وطاقة محددة.

فليس من العقل إطلاق العنان للعقل في أمور غيبية لا يكاد يطيقها ويعجز عن تحملها، فأين دور العقل في التعرف على سر أرواحنا الملازمة لنا صباح مساء، إنه عاجز عن التوصل لأدنى المعلومات عنها، فكيف يجوز تحكيمه فيما هو أعظم من ذلك؟ وهل نتصور أن تتحاكم نصوص القرآن والسنة إلى محكمة العقل والعقول مختلفة متناحرة؟ وليس من العقل تقديم عقل الإنسان القاصر على شرع الله الكامل.

قاعدة مهمة: إن مثل العقل من النقل ( النصوص الشرعية) كمثل العين من الشمس،فإن استعمال العين ضروري للرؤية، ولكن لا يمكن للعين أن تؤدي وظيفتها من دون الشمس التي تمدها بالضوء، وكذلك استعمال العقل ضروري وإنما يعمل العقل على نور من وحي الله_ الكتاب والسنة_ ولا يستقل العقل عن هذا النور الإلهي إلا كان مآله التخبط والضياع.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت