{وَلاَ تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ} الإسراء:36، أي لا تتبع ولا تجسس أثر ما لم تعلم فتشهد عليه بسمع أو رؤية أو عقد قلب إذ حقيقة العلم السمع والمشاهدة فلذلك قال: {إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُولئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْؤُولاً} الإسراء:36 وكذلك قال رسول اللّه صلى الله عليه وسلم: إياكم والظن، فإن الظن أكذب الحديث فمن اشتبه عليه الأمر فقطع به فهو متبع للهوى ومن تفرس في فعل أوامر غاب عنه حقيقة فأخبر به وأظهره على صاحبه فقد أساء كيف
وقد جاء في الخبر: من حدّث بما رأته عيناه أو سمعت أذناه كتبه اللّه عزّ وجلّ من الذين يحبون أن تشيع الفاحشة في الذين آمنوا، هذا لكشف ستر اللّه على عباده ومحبته للساترين منهم، ولذلك كان من دعاء أبي بكر الصديق رضي اللّه عنه: اللّهم أرنا الحق حقاً فنتبعه والباطل باطلاً فنجتنبه ولا تجعل ذلك علينا متشابهاً فنتبع الهوى، وكذلك روينا عن عيسى عليه السلام: إنما الأمور ثلاثة: أمر استبان لك رشده فاتبعه، وأمر استبان غيّه فاجتنبه، وأمر أشكل عليك فكله إلى عالمه، وقد كان من دعاء عليّ رضى اللّه عنه: اللّهم إني أعوذ بك أن أقول في العلم بغير علم فنعمة اللّه سبحانه تعالى في كشف الباطل باطلاً وبيان الضلال ضلالاً مثل نعمه في إظهار الحق وبيان الصدق لأنه باب من اليقين، ، ولذلك تجمل اللّه به على نبيه صلى الله عليه وسلم وجعله من تفصيل آياته في قوله سبحانه وتعالى: {وَكَذَلِكَ نفَصِّلُ الآيَاتِ وَلِتَسْتَبِينَ سَبِيلُ الْمُجْرِمِينَ} الأنعام:55 فنصب سبيل على إضمار اسمه ورفعه على كشف دلالاته وتبيان طرقه وقد وعد اللّه ذلك للمتقين وقدمه على تكفير السيئات والمغفرة وأخبر أن ذلك من الفضل العظيم في قوله عزّ وجلّ: {يِاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ إَن تَتَّقُواْ اللَّهَ يَجْعَل لَّكُمْ فُرْقَاناً وَيُكَفِّرْ عَنكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ} الأنفال:29 أي نوراً في قلوبكم تفرقون به بين الشبهات ومثله، (ومن يتق اللّه يجعل له مخرجاً) أي من كل أمر أشكل على الناس ورزقه من حيث لا يحتسب علم بغير تعليم بل إلهام وتوفيق من لدن الخبير العليم، وقد وعد ذلك المؤمنين عند اختلاف العلماء للبغي بينهم وهو الكبر والحسد، وحرم ذلك المنافقين الذين لايصدقون بالآيات والقدر والغائبات فقال عزّ وجلّ في ذلك: