{وَمَا اخْتَلَفَ فِيهِ إِلاَّ الَّذِينَ أُوتُوهُ مِن بَعْدِ مَا جَآءَتْهُمُ الْبَيِّنَاتُ بَغْياً بَيْنَهُمْ فهدى اللّه الذين آمنوا لما اختلفوا فيه من الحق بإذنه} فصنع الهداية للحق أن يكشف الحق إذا هدي التقى له ما يبدئ الباطل للابتلاء وما يعيد على العبد من الأحكام، وقد يكون الباطل اسماً للعدوّ ويكون وصفاً للنفس ألم تسمع قوله عزّ وجلّ: {قُلْ جَآءَ الْحَقُّ وَمَا يُبْدِئُ الْبَاطِلُ وَمَا يُعِيدُ} سبأ:49 أي: لما جاء الحق أبدى الباطل وأعاده فأظهر حقيقة الأمر بدءاً وعوداً.
وقد قيل إن الباطل يعني به إبليس ههنا فتدبروا وقال: {إِنَّ الَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ لاَ يَهْدِيهِمُ اللَّهُ} النحل:104 وكما أن اللّه عزّ وجلّ في البيان نعمة لأنه لا تقع إلا بقدرة كما قال: فلما تبين له قال أعلم أن اللّه على كل شيء قدير فكذلك على العبد فيه شكر وقد يكون سبباً للإنعام بالبيان وعلى اللّه المزيد على الشكر، كما قال: {كَذلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ آيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ} المائدة:98، وقال في تحقيق الشكر بالمزيد للشاكرين على التصريف: {كَذلِكَ نُصَرِّفُ الآيَاتِ لِقَوْمٍ يَشْكُرُونَ} الأعراف: 58، فإذا وقف العبد في الشبهات عن الإمضاء وأوقف الخاطر على الابتداء حتى يكشفه اللّه عزّ وجلّ له بمزيد علم أو قوة يقين أو كشف حجاب الهوى فقد وفق للصواب وهو من معنى قوله عزّ وجلّ: {وَآتَيْنَاهُ الْحِكْمَةَ وَفَصْلَ الْخِطَابِ} ص:20 وداخل في قوله: {وَمَن يُؤْتَ الْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْراً كَثِيراً} البقرة:269 هذا إذا لم يرد بالطلب ولم يجعل لعالم آخر فيه مكان كشفه للعبد بوصفه فإذا أراده بالطلب لأوليائه وجعل للعلماء مكاناً للدلالة عليه اضطره أن يسأل عالماً باللّه وبباطن أحكامه عارفاً بلطيف حجابه وخفي كشفه فيكشف له على لسانه إذا لم يكن العبد ممن يكاشف بقلبه لتحقيق قوله: {فَاسْأَلُواْ أَهْلَ الذِّكْرِ إِن كُنْتُم لاَ تَعْلَمُونَ} النحل:43 ولتصديق قوله الرحمن (فاسأل به خبيراً) واللّه تعالى هو المسير الأوّل والمبين الآخر إلا أن السير والسؤال على العبد والهدى والبيان على الهادي المبين، كما قال: {قُلْ سِيرُواْ فِي الأَرْضِ فَاْنظُرُواْ} النمل: 69 وقال تعالى: {فَإِن كُنتَ فِي شَكٍّ مِّمَّآ أَنزَلْنَآ إِلَيْكَ فَاسْأَلِ الَّذِينَ يَقْرَءُونَ الْكِتَابَ} يونس:94 الآية، ثم قال: {إِنَّ عَلَيْنَا بَيَانَهُ} القيامة:19 {إن علينا للهدى} وعلى اللّه قصد السبيل كذلك سننه التي قد خلت من