ولا يخفى كذلك أن هذا الجمع لا يعدو أن يكون بمثابة ضم وجمع، لما كتب في عهد النبي صلى الله عليه وسلم من القرآن في رابطة واحدة وموضع واحد، فأبو بكر رضي الله عنه أتم ما فعله النبي صلى الله عليه وسلم، حيث أتى بهذه الرقاع المكتوبة وأشهد عليها من حضر كتابتها، فالتي شهد على كتابتها اثنان فأكثر أثبتها وأخذ بها، فاكتمل عنده القرآن كله مكتوبًا مشهودًا عليه من عدول الأمة، إلا خاتمة سورة براءة لم يشهد عليها إلا أبو خزيمة الأنصاري، فاكتفى بشهادته؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم جعل شهادته بشهادة اثنين، في قصة الفرس الذي ابتاعها رسول الله صلى الله عليه وسلم من أعرابي، فأنكر الأعرابي البيع، فشهد خزيمة بتصديق رسول الله صلى الله عليه وسلم فأمضى النبي صلى الله عليه وسلم شهادته، وقبض الفرس من الأعرابي، فاعتبرت شهادته بشهادة اثنين، والحديث رواه أصحاب السنن، وهو مشهور، وروي أن عثمان شهد بذلك أيضًا، فضمت شهادته إلى شهادة أبي خزيمة.
والحاصل: أن الصديق أتم ما أمر به النبي صلى الله عليه وسلم، حيث ضم وجمع ما كتب في عهد النبي صلى الله عليه وسلم، ولكنه تردد في أول الأمر تقوى وخشية لله أن يقدم على أمر لم يقم به صلى الله عليه وسلم، ويتعلق بكتاب الله، فرضي الله عنه وجزاه عن الأمة خير الجزاء إذ كان سببًا في حفظ كتاب ربها.
( [715] ) ولهذا قال زيد بن ثابت أنه وجد آخر سورة التوبة يعني قوله تعالى: (لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنفُسِكُمْ) إلى آخر الآيتين مع أبي خزيمة الأنصاري فقبلها منه؛ لأن شهادته بشهادتين، والمراد شهادته على ما كتب من القرآن بأمر النبي صلى الله عليه وسلم، وليس المراد أنه لم يكن يحفظه في صدره إلا هو، وإلا فزيد بن ثابت وغيره ألوف من المسلمين يحفظون سورة التوبة ويحفظون خاتمتها.
( [716] ) ذكر ابن كثير في فضائل القرآن أن سنده منقطع: (ص:14) .
( [717] ) وسنده صحيح، انظر المصدر السابق: (ص:14) .