الصفحة 20 من 67

فسببُ هذا المسلك أنهم يريدون إعلاء كلمة الله، ويريدون أن يبينوا الحق صافيًا مجردًا من كل كدر، بعيدًا عن الإفراط والتفريط؛ ولذلك ردوا على المخالف:

ردوا على الجهمية، ردوا على الرافضة، ردوا على الخوارج، ردوا على أهل الكلام من المعتزلة ومن نهج نهجهم، ردوا عليهم بكتب مؤلَّفة واضحة، ولا تأخذهم في الله لومةُ لائم، مع الأخذ بالاعتبار حال المردود عليه - كما أسلفنا -

ثم بين - رحمه الله - أنهم مع كونهم يعنون بذلك - يردون على المخالف، ويبنون حال المبتدع والفاسق والعاصي، ويبيون حال الراوي لتُصّفى الروايات من كل كدرٍ، مع ذلك لا يدعون لأنفسهم أنهم بلغوا المنتهى في العلم، بل كلُّهم يوقنون أن فوق كل ذي علمٍ عليمٌ؛ لأنهم يترسمون القول الذي يقول (لا يزال الرجل عالمًا ما طلب العلم، فإذا ظن أنه قد علم فقد جهل) .

فتجدهم يتهمون آراءهم ويتهمون قصورهم ويتهمون عقولهم، فإن جاءهم مستفتٍ كلٌّ منهم يحيل إلى الآخر حتى في المسائل التي يختلفون فيها، وهم لم يختلفوا في الأصول بكل حال وإنما اختلافهم كان في بعض المسائل الفقهية، وكانوا - أيضًا - يتهمون آراءهم لأنهم يعلمون أن المجتهد عُرضة للخطأ والصواب، وبخاصة في المسائل الاجتهادية، وكان كل منهم يتهم رأيه بالقصور؛ لأن الدين ليس بالرأي، وقد يقول: هذا هو الذي أراه في هذه المسألة، فإن كان الحق معي وإلا فإني أبرأ إلى الله منه إن كان خطأً.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت