والصحابة إنما تنازعوا يوم بدر في مسألة العفو عنهم أو القتل, كما أنه أيضًا بالإمكان شقاقهم, وهم من الغنيمة كما هو معلوم, ويقسمون كما تقسم الغنيمة ــــ كما سنرى بإذن الله سبحانه وتعالى ــــ عندما يقسمون فإنهم يشاقون كما هو معلوم, تنازع الصحابة هاهنا هل ينبغي أن يقتل الأسرى؟ لأن المشركين من قريش قد بدؤوهم بالقتال, وقد أرهقوهم وآذوهم أيّما أذى, وأخرجوهم من ديارهم, ونهبوا أموالهم, وفرقوا بينهم وبين أهليهم, فإنهم كانوا يرون أن عليهم كما فعلوا بهم كذلك أن يقتلوهم, ومنهم من رأى أن هؤلاء عشيرة وأنهم قوم, وأنهم لربما إذا ما كان يُعفى عنهم, لربما دخلوا في الإسلام كما هو رأي أبي بكر ــــ رضي الله عنه ــــ فدعا هؤلاء إلى العفو, ولمّا خرجوا كان بعض الصحابة يقول برأي أبي بكر, وبعضهم يقول القول ما قال عمر, حتى نزل القرآن على النبي ـــ صلى الله عليه وسلم ـــ ووافق القرآن في ذلك عمر بن الخطاب ــــ رضي الله عنه ــــ في قوله سبحانه وتعالى: {مَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَكُونَ لَهُ أَسْرَى حَتَّى يُثْخِنَ فِي الْأَرْضِ} [الأنفال:67] ، فأُمر النبي ــــ صلى الله عليه وسلم ــــ مبينًا في هذه الآية بالإثخان وبقتل المشركين, فكان ما أراد عمر بن الخطاب وامتثل النبي ـــــ صلى الله عليه وسلم ــــ ذلك الأمر, ولكن أيضًا وقع الفداء لأن النبي ــــ صلى الله عليه وسلم ــــ عرض على كل واحدٍ من المشركين أن يحدد عشرةً من المسلمين وسنرى ذلك ــــ بإذن الله سبحانه وتعالى ــــ عند كلام الناظم عما يتعلق بأسرى بدر:
وابن معاذٍ مبتني العريش *** وحارس النبي من قريش
يكره إبقاء الأُسارى ويرى *** إهلاكهم أوَّل قتلٍ أجدرا
ابن معاذ هو سعد بن معاذ ـــــ رضي الله عنه ـــــ وقد تكلمنا عنه في مراتٍ ماضية, وقد ابتنى للنبي ـــــ صلى الله عليه وسلم ــــ عريشًا, و"العريش"هو ما يُبنى في الحرب عادةً لِيُستَظَل به, وقد بُني ذلك للنبي ــــ صلى الله عليه وسلم ــــ وكان يستظل به ـــــ صلى